← العودة إلى التحقيقات
سياسة

اليوم التالي للسلاح: أيّ عراق بعد فصائل المقاومة؟

ضياء أبو طعام • 2026-09-24 • 5,385 مشاهدة

ينطلق هذا التحقيق من مفارقة تبدو بسيطة في ظاهرها: لا تكتمل سيادة أي دولة إذا تعددت داخلها الجهات التي تملك قرار استخدام القوة. لكن ماذا لو كانت بعض هذه القوى قد نشأت أصلاً لأن الدولة نفسها، في لحظة تاريخية حاسمة، لم تكن قادرة على أداء وظيفتها الأساسية في الحماية؟ لهذا لا تسأل «أثر» في هذا التحقيق إن كان حصر السلاح بيد الدولة مبدأً صحيحاً؛ فهذه ليست الإشكالية الحقيقية. السؤال هو: ماذا يحدث عندما تقرر الدولة استعادة احتكار القوة قبل التأكد من أنها أصبحت قادرة على أداء الوظائف التي أدتها القوى المطلوب منها تسليم سلاحها؟ وللإجابة، يعيد التحقيق بناء العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة منذ انهيار حزيران/يونيو 2014 وحتى قرار حصر السلاح في 2026، ثم يختبر مسارين متعاكسين: ماذا كان سيحدث لو لم يظهر هذا السلاح؟ وماذا يمكن أن يحدث إذا اختفى أو انتقل اليوم؟ وتقوم فرضية التحقيق على أن السلاح العراقي خارج القرار الحكومي أدى خلال اثني عشر عاماً وظائف مختلفة ومتغيرة: بدأ أداة لسد فراغ أمني في مواجهة تهديد وجودي، ثم أصبح جزءاً من منظومة الردع والضغط الإقليمي، وفي الوقت نفسه تحول تدريجياً إلى مشكلة في وحدة القرار السياسي والعسكري للدولة. وعليه، فإن نجاح حصر السلاح لا يمكن قياسه بعدد الصواريخ والمسيّرات والمخازن التي تصبح تحت سيطرة الحكومة، وإنما بسؤال أكثر تعقيداً: كم وظيفة كانت تؤديها الفصائل أصبحت الدولة قادرة على أدائها بنفسها؟

اليوم التالي للسلاح: أيّ عراق بعد فصائل المقاومة؟

2014: عندما احتاجت الدولة إلى السلاح الذي تريد حصره اليوم

في العاشر من حزيران/يونيو 2014، لم تسقط مدينة عراقية فحسب.

سقطت الموصل، ثاني أكبر مدن البلاد، بعدما انهارت أمام هجوم تنظيم «داعش» قطاعات من القوات الأمنية والعسكرية العراقية. وخلال أيام، تمدد التنظيم في نينوى وصلاح الدين وأجزاء من ديالى والأنبار، وسيطر على مدن ومنشآت وبنى تحتية رئيسية. وبعد أقل من أسبوعين، كانت الحكومة العراقية تطلب رسمياً من المجتمع الدولي مساعدة عاجلة لمواجهة الخطر.[1]

لم تكن الأزمة يومها مجرد نقص في عدد الجنود. كانت أزمة قدرة دولة.

فالجيش الذي أنفقت عليه بغداد سنوات من التدريب والتسليح فقد مناطق واسعة خلال فترة قصيرة، ومئات آلاف المدنيين نزحوا، فيما أصبحت أخبار الإعدامات الجماعية وسقوط المدن والطرق تباعاً جزءاً من يوميات العراقيين. وفي 11 حزيران، كان مجلس الأمن يتحدث بالفعل عن استيلاء «داعش» على أجزاء كبيرة من الموصل ومبانٍ حكومية وتهجير مئات الآلاف.[2]

بعد يومين فقط، في 13 حزيران/يونيو، جاء التحول.

من منبر صلاة الجمعة في كربلاء، نُقلت فتوى المرجع الأعلى السيد علي السيستاني التي دعت المواطنين القادرين على حمل السلاح إلى التطوع والانخراط في القوات الأمنية للدفاع عن العراق وشعبه ومقدساته.[3]

هذه العبارة مهمة لفهم كل ما سيحدث لاحقاً.

فالفتوى لم تؤسس، في نصها، لفكرة جيش موازٍ للدولة. كانت استجابة استثنائية لإنقاذ الدولة، ودعت المتطوعين إلى الالتحاق بقواتها.

لكن المشكلة كانت أن الدولة التي احتاجت إلى عشرات آلاف المتطوعين بصورة عاجلة لم تكن تملك جهازاً مؤسسياً قادراً على استيعاب هذا التدفق البشري وتنظيمه وتسليحه بالسرعة نفسها التي كان بها «داعش» يتقدم.

وهكذا حدث ما يحدث غالباً عندما تكون الحاجة أسرع من المؤسسة.

امتلأ الفراغ بما كان موجوداً على الأرض.

تشكيلات مسلحة سابقة، أحزاب تمتلك خبرات عسكرية، شبكات دينية واجتماعية وعشائرية، متطوعون جدد، ودعم إيراني عاجل؛ ومن هذا الخليط أخذت تتشكل القوة التي ستعرف لاحقاً بصورة جامعة باسم الحشد الشعبي.

وبعد سنوات، سيصف رئيس الوزراء حيدر العبادي أمام الأمم المتحدة فتوى السيستاني بأنها دفعت عشرات الآلاف إلى حمل السلاح دفاعاً عن بلادهم، وأنها أسهمت في نشوء الحشد الشعبي و«أنقذت العراق ومهدت طريق النصر».[4]

لكن العبارة الأخيرة تستحق أن نتوقف عندها.

هل أنقذ الحشد العراق فعلاً؟

الإجابة السهلة هي نعم.

أما الإجابة التي يحتاجها التحقيق فهي أكثر تعقيداً.

ماذا لو لم يكن هناك حشد؟

لنفترض للحظة أن فتوى 13 حزيران لم تصدر، أو أن العراقيين استجابوا لها ولكن لم تتشكل القوة الشعبية المسلحة بالحجم الذي عرفه العراق لاحقاً.

ما البديل الواقعي الذي كان متاحاً في صيف 2014؟

ليس الجيش العراقي الذي نتخيله اليوم، بل الجيش نفسه الذي كان يعيد تنظيم صفوفه بعد صدمة الموصل.

وليس تحالفاً دولياً يعمل بكامل طاقته؛ فالتحالف الدولي ضد «داعش» سيُبنى ويتوسع لاحقاً، بينما كانت الأزمة العراقية تتحرك يومها بسرعة أكبر من الاستجابة الدولية.

لهذا يبدو السيناريو المضاد أكثر قسوة: إما أن يحتفظ «داعش» بمساحات أكبر ولمدة أطول، وإما أن يصبح العراق بحاجة إلى تدخل خارجي أكبر وأسرع، أميركياً أو إيرانياً أو كليهما.

لا يمكن إثبات ما لم يقع، بطبيعة الحال. لكن يمكن قياس البدائل التي كانت موجودة بالفعل.

ففي 25 حزيران/يونيو، أي بعد نحو أسبوعين من سقوط الموصل، كانت بغداد ما تزال تطلب رسمياً مساعدة دولية عاجلة ضد العمليات التي ينفذها «داعش» في الموصل والأنبار ومناطق أخرى.[5]

وهذا يجعل الاستنتاج الأول لهذا التحقيق ممكناً:

في صيف 2014 لم يكن ظهور التعبئة المسلحة نتيجة قوة الفصائل بقدر ما كان نتيجة ضعف قدرة الدولة على مواجهة انهيار أمني استثنائي بالسرعة المطلوبة.

وهنا يجب أيضاً تجنب خطأ مقابل.

الحشد لم يهزم «داعش» منفرداً.

فالجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية والبيشمركة والقوى العشائرية، إلى جانب الدعم الجوي والاستخباري والتدريب واللوجستيات التي وفرها التحالف الدولي، كانت جميعها أجزاء أساسية من الحرب. وعندما أعلن العبادي في 9 كانون الأول/ديسمبر 2017 تحرير كامل الأراضي العراقية من سيطرة «داعش»، كان الانتصار نتيجة حرب شاركت فيها منظومة واسعة من القوى العراقية والدولية.[6]

إذن ليست المعادلة: الحشد أنقذ العراق وحده.

وليست أيضاً: وجود الحشد لم يكن ضرورياً.

الأقرب إلى الوقائع أن التعبئة الشعبية أدت، خصوصاً في المرحلة الأولى، وظيفة يصعب فصلها عن ظروف انهيار 2014: ملء جزء من الفراغ بين سرعة الخطر وبطء تعافي الدولة.

وهنا تبدأ المفارقة التي سترافق العراق حتى 2026.

فالنجاح في سد الفراغ خلق قوة، والقوة احتاجت إلى تنظيم، والتنظيم احتاج إلى تمويل وتسليح وقيادة.

ثم احتاج المنتسبون إلى رواتب وحقوق وضمانات، وظهرت عائلات شهداء وجرحى ومصالح اجتماعية مرتبطة بهذه المؤسسة الجديدة.

وبحلول 2016، كان مجلس النواب قد أقر قانون هيئة الحشد الشعبي، معتبراً الهيئة جزءاً من القوات المسلحة العراقية ومرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، وخاضعة للقوانين العسكرية، مع نص القانون كذلك على فك ارتباط منتسبيها بالتنظيمات السياسية والحزبية.[7]

حدث هنا تحول بالغ الأهمية: القوة التي نشأت لأن المؤسسة الرسمية لم تستطع استيعاب لحظة الطوارئ، بدأت المؤسسة الرسمية نفسها باستيعابها قانونياً.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2017 انتهت المرحلة الأولى من القصة.

أعلن العراق تحرير أراضيه من «داعش».[8]

وبذلك سقط المبرر الأصلي الأكثر وضوحاً لاستمرار حالة التعبئة الاستثنائية: لم تعد هناك «دولة داعش» تحتل ثلث العراق، ولم يعد الجيش العراقي جيش حزيران 2014، وأصبحت القوة التي ولدت من لحظة الانهيار جزءاً معترفاً به قانونياً من المنظومة الأمنية.

وكان يمكن أن تكون تلك لحظة الانتقال: المقاتل يبقى عراقياً، خبرته تبقى عراقية، السلاح يبقى عراقياً، حقوق الشهداء والجرحى والعائلات تصبح مسؤولية الدولة، والوحدات التي يحتاجها الأمن الوطني تدخل بصورة كاملة في سلسلة القيادة الرسمية.

لكن السؤال الذي لم يُحسم آنذاك كان: هل تستوعب الدولة القوة التي أنقذتها، أم تستوعب القوةُ الدولةَ التي أنقذتها؟

من هنا، وليس من 2014، تبدأ في تقدير «أثر» المشكلة الحقيقية لسلاح الفصائل.

فالضرورة تفسر ظهوره.

لكنها لا تجيب عن السؤال الذي ظهر بعد انتهاء الضرورة الأولى:

متى تنتهي شرعية الاستثناء؟

وهذا يأخذنا إلى المرحلة التي ربما أضاع فيها العراق أفضل فرصة للإجابة: 2017–2019، أي فترة الفرصة التي لم تُستثمر.

---

هوامش الفصل الأول

[1] الأمم المتحدة، رسالة الممثل الدائم للعراق إلى الأمين العام، الوثيقة S/2014/440، 25 حزيران/يونيو 2014؛ تتضمن طلب العراق مساعدة عاجلة من المجتمع الدولي في مواجهة عمليات «داعش» في الموصل والأنبار ومناطق أخرى.

[2] مجلس الأمن الدولي، بيان صحفي حول العراق، 11 حزيران/يونيو 2014؛ وثّق استيلاء عناصر «داعش» على أجزاء كبيرة من الموصل ومبانٍ حكومية ونزوح مئات الآلاف.

[3] نص الدعوة المنقولة عن المرجع علي السيستاني، 13 حزيران/يونيو 2014: دعوة القادرين على حمل السلاح إلى التطوع والانخراط في القوات الأمنية للدفاع عن البلاد والشعب والمقدسات. كما رحبت الأمم المتحدة لاحقاً بتوضيح المرجعية بشأن الوحدة العراقية وتجنب الخطاب الطائفي.

[4] بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق UNAMI، إحاطة الممثل الخاص للأمين العام يان كوبيش أمام مجلس الأمن؛ نقل فيها عن رئيس الوزراء حيدر العبادي تقييمه لدور فتوى 2014 والتعبئة الشعبية في إنقاذ العراق وتمهيد طريق الانتصار.

[5] الأمم المتحدة، الوثيقة S/2014/440، 25 حزيران/يونيو 2014.

[6] إعلان العراق الانتصار النهائي على «داعش»، 9 كانون الأول/ديسمبر 2017؛ وأكدت المصادر أن التنظيم كان قد سيطر في ذروة توسعه على نحو ثلث الأراضي العراقية. كما أشادت بغداد والأمم المتحدة بدور القوات العراقية والدعم الدولي في الحرب.

[7] قانون هيئة الحشد الشعبي، الذي أقره مجلس النواب العراقي في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2016. نص على اعتبار الهيئة جزءاً من القوات المسلحة وارتباطها بالقائد العام، وعلى خضوعها للقوانين العسكرية وفك ارتباط منتسبيها بالتنظيمات السياسية والحزبية. مكتبة الكونغرس، Global Legal Monitor.

[8] إعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي، 9 كانون الأول/ديسمبر 2017، تحرير كامل الأراضي العراقية من سيطرة «داعش».

2017 - 2019: الفرصة التي لم تُستثمر

2017 - 2019: الفرصة التي لم تُستثمر

في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 2017، أعلن العراق انتهاء الحرب التي بدأت فعلياً بسقوط الموصل.

انتهت «دولة داعش» على الأرض، لكن القوة التي استدعتها الحرب لم تنتهِ معها.

وهنا تغير السؤال.

في 2014 كان السؤال: كيف نوقف الانهيار؟

أما بعد 2017 فأصبح: ماذا نفعل بالقوة التي نشأت لوقفه؟

كان العراق أمام لحظة نادرة. الجيش استعاد ثقته وخبرته، مؤسسات الدولة عادت إلى المدن التي فقدتها، والحشد خرج من الحرب محملاً بشرعية اجتماعية صنعتها التضحيات والانتصار على «داعش». كما أن قانون 2016 كان قد وفر أساساً قانونياً يسمح بتحويل الحشد إلى جزء مستقر من المنظومة العسكرية الرسمية.

بعبارة أخرى، كانت معظم العناصر اللازمة للانتقال موجودة.

وكان يمكن أن يبدأ مشروع مختلف: تحتفظ الدولة بالمقاتلين الذين تحتاج إليهم، وبالخبرات التي صنعتها الحرب، وتضمن حقوق الجرحى وعائلات الشهداء، وتدمج الوحدات الضرورية ضمن سلسلة قيادة واحدة، بينما تفصل تدريجياً بين المقاتل والحزب والفصيل والسلاح.

أي أن تحتفظ الدولة بالحشد، لكنها تنهي الفصائلية داخله.

لكن العراق سلك مساراً أكثر تعقيداً.

من شرعية البندقية إلى صندوق الاقتراع

بعد خمسة أشهر فقط من إعلان الانتصار على «داعش»، توجه العراقيون إلى الانتخابات البرلمانية في 12 أيار/مايو 2018.

وحصل تحالف «الفتح»، بقيادة هادي العامري والمرتبط سياسياً بعدد من القوى المنضوية في الحشد الشعبي، على 48 مقعداً من أصل 329، ليصبح ثاني أكبر قوة في البرلمان بعد تحالف «سائرون» الذي حصل على 54 مقعداً.[9]

هذه النتيجة لا تعني أن 48 نائباً كانوا يمثلون «الحشد» عسكرياً، ولا يجوز اختزال أصوات ناخبي الفتح في السلاح. لكنها أثبتت شيئاً آخر أكثر أهمية لهذا التحقيق:

القوة التي اكتسبت شرعيتها الأساسية في ميدان الحرب أصبحت تمتلك ثقلاً مؤثراً داخل ميدان السياسة.

وللمرة الأولى منذ ظهور التعبئة الكبرى في 2014، أصبح من الصعب رسم خط واضح بين ثلاث دوائر:

المؤسسة العسكرية التي تحمل اسم الحشد الشعبي، والأحزاب السياسية التي ترتبط تاريخياً أو تنظيمياً ببعض تشكيلاته، والفصائل المسلحة التي احتفظ بعضها بقيادته وهويته وعلاقاته الخاصة.

لم يعد السؤال إذن عن مكان المقاتل داخل الدولة فقط.

أصبح السؤال عن مكان الفصيل داخلها.

محاولة متأخرة للفصل

في الأول من تموز/يوليو 2019، أصدر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الأمر الديواني رقم 237.

كان النص، من حيث المبدأ، قريباً جداً مما كان يفترض أن يحدث بعد انتهاء الحرب.

قرر أن تعمل جميع قوات الحشد الشعبي باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من القوات المسلحة العراقية، وأن تخضع للقوانين والضوابط نفسها، وتعمل بأمرة القائد العام للقوات المسلحة.[10]

والأهم أنه حاول معالجة المنطقة الرمادية بين السياسة والسلاح.

فالتشكيلات التي تدخل الحشد كان عليها التخلي عن مسمياتها السابقة، وإغلاق المقرات التي لا تدخل ضمن الهيكل العسكري الجديد. أما من يختار العمل السياسي، فعليه التخلي عن العمل المسلح.[11]

كان الأمر واضحاً نظرياً: إما المؤسسة العسكرية، وإما الحزب السياسي.

لكن صدور أمر كهذا في تموز 2019 يكشف في ذاته أن المشكلة التي كان قانون 2016 يفترض أنه عالجها قانونياً لم تكن قد حُسمت فعلياً بعد نحو ثلاثة أعوام.

وهنا تظهر فجوة ستتكرر كثيراً في قصة السلاح العراقي:

أن تكون القوة جزءاً من الدولة في القانون لا يعني بالضرورة أن الدولة أصبحت صاحبة القرار الكامل فيها على الأرض.

وتكتسب هذه النقطة أهمية استثنائية اليوم.

فالجدل الذي يخوضه العراق في 2026 حول حصر السلاح ليس جديداً بالكامل. جزء من المطلوب اليوم كان موجوداً بالفعل في قانون 2016 وفي أمر 2019: قيادة رسمية، انضباط عسكري، فصل عن العمل الحزبي، وإنهاء المظاهر المسلحة المستقلة.

أي أن العراق لا يناقش للمرة الأولى ماذا ينبغي أن يفعل.

إنه يناقش، بعد نحو عقد، لماذا لم يستطع تنفيذ ما قرر فعله من قبل؟

ثم جاء تشرين

بعد ثلاثة أشهر من أمر عبد المهدي، انفجرت احتجاجات تشرين 2019.

خرج المتظاهرون في بغداد ومدن وسط وجنوب العراق احتجاجاً على الفساد والبطالة وضعف الخدمات وطبيعة النظام السياسي والتدخلات الخارجية.

لكن الاحتجاجات كشفت أيضاً شيئاً يتصل مباشرة بتحقيقنا.

لقد تغيرت علاقة جزء من المجتمع بالقوى التي خرجت من حرب «داعش». ففي 2014 كان المقاتل المسلح يظهر أساساً وهو يتقدم نحو منطقة يسيطر عليها التنظيم. أما في 2019، فقد أصبح السلاح نفسه حاضراً في أزمة سياسية داخلية.

وثقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق ومفوضية حقوق الإنسان انتهاكات واسعة ارتكبت خلال الاحتجاجات، شملت الاستخدام غير الضروري وغير المتناسب للقوة من قبل قوات أمنية، كما وثقت اعتداءات نسبت إلى «عناصر مسلحة مجهولة» استهدفت متظاهرين وناشطين ومنتقدين لجماعات مسلحة لها صلات متفاوتة بالدولة، أطلق العراقيون على هذه العناصر لقب "الجواكر".[12]

وبين الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 و30 نيسان/أبريل 2020، وثقت الأمم المتحدة تقارير موثوقة عن مقتل 109 متظاهرين وإصابة 821 آخرين في هجمات وإطلاق نار نفذته «الجواكر» في مواقع الاحتجاج، إضافة إلى عمليات قتل مستهدف وخطف واختفاء.[13]

لكن الدقة هنا ضرورية.

الأمم المتحدة لم تنسب هذه الجرائم إلى الحشد الشعبي، ولم تحدد في معظم الحالات هوية مرتكبيها رسمياً. بل أشارت صراحة إلى أن منفذي العديد من الهجمات عملوا بصورة مجهولة، وأن الضحايا والشهود كانوا يستخدمون تعبير «الميليشيات» لوصف بعض الجماعات المسلحة، ومنها جماعات لها صلات بالدولة.[14]

وهذا التفصيل لا يضعف الحجة، بل يكشف المشكلة بصورة أوضح.

فإذا كانت الدولة عاجزة عن تحديد أي قوة مسلحة أطلقت النار، ومن الذي يقودها، ومن يحاسبها، فإن المشكلة لم تعد فقط في وجود السلاح خارج الدولة، بل في أداء أجهزة الدولة.

وهنا، في تقدير «أثر»، حدث التحول الأخطر في الانقسام حول وظيفة السلاح.

بين 2014 و2017 كان الاستخدام الرئيسي للقوة المسلحة موجهاً إلى عدو يحتل أرضاً عراقية ويذبح أهلها ويحرقهم ويأسر نساءها تمهيداً لبيعهنّ لاحقاً في الأسواق.

أما بين 2018 و2019 فقد أصبح، بنظر شريحة من العراقيين، جزءاً من منظومة القوة متداخلاً مع المنافسة السياسية وإدارة النفوذ الداخلي.

وهذه ليست الوظيفة نفسها، ولا الإجماع العام حولها.

الفرصة الضائعة

لو أردنا تحديد اللحظة التي كان يمكن فيها للعراق معالجة مشكلة السلاح بأقل كلفة ممكنة، فقد لا تكون 2026، بل قد تكون 2017–2018.

كان «داعش» قد هُزم جغرافياً، وكان الحشد في ذروة شرعيته الاجتماعية، وكانت الدولة في طور استعادة قدراتها، وكان من الممكن أن تقول بغداد للمقاتل:

لقد انتهت مهمة الطوارئ، لكنك لن تُترك خارج الدولة.

تُدخل الخبرة العسكرية التي تحتاجها القوات المسلحة - يحصل الجريح على حقّه - تُحمى عائلة الشهيد - يُحال من لا تحتاجه المؤسسة العسكرية إلى مسارات تقاعد أو تأهيل مهني وتأمين فرصة عمل، ويبقى السلاح الذي دفع العراقيون ثمنه داخل منظومة الدفاع الوطني.

لكن ما حدث عملياً كان مختلفاً.

دخلت قوى مرتبطة بالفصائل إلى البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة، بينما بقيت مسألة القيادة العسكرية والولاءات والسلاح النوعي والقرار العملياتي غير محسومة بالكامل.

وهنا ولدت المعادلة التي سترافق العراق في السنوات التالية:

مقاتل يتقاضى راتبه من الدولة، وتشكيل يحمل صفة رسمية، وحزب يشارك في الحكومة، لكن القرار السياسي والعسكري لا يمر دائماً عبر مركز واحد.

ولهذا لا ينظر تحقيق «أثر» إلى 2017 باعتبارها نهاية حرب «داعش» فقط، إنها بداية السؤال الذي لم يجب عنه العراق حتى اليوم:

كيف تنتقل قوة صنعتها الضرورة إلى مؤسسة تحكمها الدولة، من دون أن تهدر القوة أو تترك حالة الضرورة تتحول إلى واقع دائم؟

لكن العراق لم يحصل على وقت طويل للإجابة.

فبعد أشهر قليلة من احتجاجات تشرين، وقبل أن تستقر الأزمة السياسية التي أطاحت بحكومة عادل عبد المهدي، وقعت حادثة ستختبر معنى السيادة العراقية بصورة أكثر قسوة، وتكشف أن منطق الحديث عن حالة الضرورة الإستثنائية لا ينطبق على بلدٍ ما زال مصيره وقراره محكوماً بإراداتٍ خارجية، عنوانها "العدوان ومصادرة السيادة".

فجر الثالث من كانون الثاني/يناير 2020، خرجت طائرة أميركية مسيّرة فوق محيط مطار بغداد.

وبعد لحظات كان قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس ومن معهما من مرافقين شهداء على أرض عراقية، قرب مطار العراق الرئيسي، وعلى الطريق الذي يُمثّل أمام ضيوف الدولة، رمز السيادة والأمان.

في تلك اللحظة بالذات، لم يعد السؤال: هل تستطيع الدولة سحب سلاح الفصائل؟ بل أصبح: إذا احتكرت الدولة السلاح فعلاً... هل كانت تملك القدرة على منع ما حدث، أو الرد عليه؟

وهنا تبدأ المرحلة الثالثة.


هوامش الفصل الثاني

[9] الاتحاد البرلماني الدولي IPU، نتائج انتخابات مجلس النواب العراقي في 12 أيار/مايو 2018. حصل تحالف «سائرون» على 54 مقعداً، وتحالف «الفتح» على 48 مقعداً، و«النصر» على 42 مقعداً. ويصف IPU «الفتح» بأنه متحالف مع قوى في الحشد الشعبي.

[10] الأمر الديواني رقم 237 الصادر عن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في 1 تموز/يوليو 2019. أكدت الأمم المتحدة أن الأمر نص على عمل وحدات الحشد كجزء لا يتجزأ من القوات المسلحة وخضوعها للقوانين والأنظمة العسكرية والعمل تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة.

[11] نص أمر عبد المهدي وتغطية متزامنة لمضمونه: التشكيلات المنضمة إلى القوات المسلحة تتخلى عن مسمياتها السابقة وارتباطاتها السياسية، فيما تختار الجماعات الأخرى بين النشاط السياسي والعمل المسلح، مع إغلاق المقرات والمكاتب الاقتصادية ونقاط السيطرة غير المرخصة.

[12] بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق UNAMI ومكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، Human Rights Violations and Abuses in the Context of Demonstrations in Iraq, October 2019–April 2020. خلص التقرير إلى وقوع انتهاكات واسعة، وإلى عدم وضوح سلسلة القيادة المدنية في حالات عديدة، كما وثق استهداف ناشطين ومنتقدين لأحزاب وجماعات مسلحة ذات صلات متفاوتة بالدولة.

[13] التقرير نفسه: وثقت UNAMI/OHCHR بين 1 تشرين الأول/أكتوبر 2019 و30 نيسان/أبريل 2020 تقارير موثوقة عن مقتل 109 متظاهرين و821 واقعة إصابة في هجمات نفذتها «عناصر مسلحة مجهولة»، إضافة إلى عمليات قتل مستهدف وخطف واختفاء.

[14] شدد تقرير UNAMI/OHCHR على أن مرتكبي غالبية تلك الاعتداءات لم يُحددوا رسمياً، وأن وصف «الميليشيات» ورد على لسان ضحايا وشهود للإشارة إلى جماعات مسلحة مختلفة، بعضها أصبح جزءاً من الحشد الشعبي أو كانت له صلات بالدولة.

2020 - 2023: عندما أصبح السلاح أداة ضغط على "قاتل السيادة"

2020 - 2023: عندما أصبح السلاح أداة ضغط على "قاتل السيادة"

فجر الثالث من كانون الثاني/يناير 2020، لم تكن بغداد ساحة حرب معلنة بين القوى الخارجية، إقليمية كانت أم دولية، أم مزيج بينهما. كان عراقاً يخرج بصعوبة من تأثيرات حراك تشرين، ويحاول بنفسه ترميم العلاقات بين النسيج الاجتماعي العراقي المعقّد.

ومع ذلك، اختارت واشنطن أرضاً عراقية لتصفية اثنين من أهم القادة المؤثرين في إحباط "جائحة " داعش.

قرب مطار بغداد الدولي، استهدفت ضربة أميركية قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني، وأبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، ومن كانوا برفقتهما.

لم تخفِ الولايات المتحدة مسؤوليتها عن العملية. بل أعلن البنتاغون أن الجيش الأميركي نفذها بتوجيه من الرئيس دونالد ترامب، وقال إن الهدف منها كان «ردع خطط هجمات مستقبلية»، متهماً سليماني والمهندس بالتخطيط لهجمات على دبلوماسيين وعسكريين أميركيين وبإدارة نشاطات استهدفت قوات التحالف في العراق.[15]

لكن بالنسبة إلى بغداد، حملت الضربة معنى مختلفاً.

فمهما كانت المبررات الأميركية، قُتل مسؤول عسكري عراقي يشغل منصب نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، مع قائد عسكري إيراني ضيف، في عملية نفذتها قوة أجنبية على الأراضي العراقية ومن دون قرار عراقي.

وفجأة أصبح السؤال الذي حاول العراق تأجيله منذ انتهاء حرب «داعش» أكثر قسوة: من يملك فعلياً قرار القوة داخل العراق؟

الدولة تحتج... والفصائل تستطيع أن تضرب

بعد يومين من العملية، اتخذ مجلس النواب العراقي موقفاً يدعو الحكومة إلى إنهاء وجود القوات الأجنبية في البلاد.[16]

كان ذلك رداً سياسياً مهماً، لكنه كشف في الوقت نفسه حدود أدوات الدولة.

فإذا قررت بغداد الرد عسكرياً على الولايات المتحدة، فبأي قوة ستفعل؟

هل تستطيع القوات المسلحة العراقية الدخول في مواجهة مع الجيش الأميركي؟

هل تستطيع منظوماتها الجوية منع طائرة أميركية من تنفيذ عملية مشابهة؟

وهل تستطيع الحكومة أن تفرض على واشنطن، بالقوة العسكرية التقليدية، كلفة تجعل تكرار العملية مستبعداً؟

الإجابة الواقعية في تلك اللحظة كانت شديدة الصعوبة، لكن خارج هذه المعادلة التقليدية، كانت هناك قوة أخرى.

الفصائل العراقية لم تكن تمتلك طائرات مقاتلة قادرة على مواجهة الولايات المتحدة، ولا منظومات دفاع جوي تستطيع إغلاق السماء العراقية أمامها.

لكنها امتلكت شيئاً مختلفاً: القدرة على الإيذاء وإن بكلفة منخفضة نسبياً.

صواريخ قصيرة المدى، عبوات ناسفة، هجمات على أرتال الدعم اللوجستي، ولاحقاً طائرات مسيّرة؛ أدوات لا تسمح بهزيمة الجيش الأميركي، لكنها تستطيع جعل وجوده أكثر كلفة وتعقيداً.

وهنا تحولت وظيفة السلاح مرة أخرى.

في 2014 كانت المعادلة: قوة غير نظامية تساعد الدولة في مواجهة عدو غير نظامي يحتل أرضها.

أما بعد كانون الثاني/يناير 2020 فأصبحت: قوة غير نظامية أو شبه نظامية تحاول فرض كلفة على قوة دولية تتفوق عليها عسكرياً بفارق هائل.

دخل العراق، بفعل عسكري أميركي، في معادلات الحرب غير المتكافئة التي كانت تدور في غير دولة في المنطقة، حيث لا يحتاج الطرف الأضعف إلى هزيمة خصمه عسكرياً، بل يكفي أن يجعل بقاءه أكثر كلفة من الرحيل.

هل أخرجت الفصائل العراقية الأميركيين؟

هنا يجب الحذر من روايتين متناقضتين.

الأولى تقول إن «المقاومة» أجبرت القوات الأميركية على الانسحاب من العراق.

والثانية تقول إن هجمات الفصائل لم تؤثر في القرار الأميركي، وإن ما حدث كان مجرد إعادة تنظيم متفق عليها بين بغداد وواشنطن.

الوقائع تشير إلى صورة تقع بين الاثنين.

خلال 2020 و2021 تعرضت مواقع تضم قوات أميركية وقوات من التحالف إلى سلسلة من الهجمات الصاروخية والمسيّرة. وفي شباط/فبراير 2021 مثلاً، أدى هجوم صاروخي على منطقة مطار أربيل إلى مقتل متعاقد مدني وإصابة عسكري أميركي وعدد من المتعاقدين.[17]

لكن القوات الأميركية لم تغادر العراق نتيجة تلك الهجمات. بدلاً من ذلك، دخلت بغداد وواشنطن في مسار تفاوضي رسمي ضمن «الحوار الاستراتيجي».

وفي 26 تموز/يوليو 2021 أعلنت الحكومتان أن العلاقة الأمنية ستنتقل بالكامل إلى مهام التدريب والمشورة والمساعدة وتبادل المعلومات، وأنه لن تبقى قوات أميركية ذات دور قتالي في العراق بعد 31 كانون الأول/ديسمبر 2021.[18]

هذه الصياغة مهمة كتبتها الفصائل بأسلحتها ضمن قواعد الحرب غير المتكافئة، فما انتهى رسمياً، بغعل هذا السلاح، لم يكن الوجود الأميركي في العراق، وإنما المهمة القتالية للقوات الأميركية. بقي أفراد أميركيون وقوات من التحالف يؤدون مهام المشورة والتدريب والمساعدة والاستخبارات، وبحسب الاتفاق الرسمي، كان وجودهم يتم بدعوة من الحكومة العراقية.[19]

لذلك لا يستطيع التحقيق أن يقول إن الفصائل «طردت الولايات المتحدة»، لكنه لا يستطيع أيضاً تجاهل أن المفاوضات جرت في بيئة كانت فيها كلفة الوجود العسكري الأميركي ترتفع أمنياً وسياسياً.

ومن هنا تخرج «أثر» باستنتاج أكثر دقة:

سلاح الفصائل لم يُخرج الولايات المتحدة من العراق، لكنه ساهم في رفع كلفة وجودها؛ بينما تولت السياسة العراقية الرسمية تحويل جزء من هذا الضغط إلى ترتيب تفاوضي غيّر طبيعة المهمة الأميركية. أي أن السلاح والسياسة لم يكونا مسارين منفصلين بالكامل.

السلاح أنتج ضغطاً - والدولة فاوضت.

ولكن في المقابل، من كان يدفع ثمن الضغط؟

هذه المعادلة حملت مشكلة خطيرة.

فالفصيل يستطيع أن يطلق صاروخاً على موقع توجد فيه قوات أميركية، لكن الحكومة العراقية هي التي تتحمل النتائج السياسية والأمنية لأي رد أميركي.

وهكذا نشأت حلقة متكررة: هجوم على قوات أميركية - رد أميركي - تصعيد فصائلي - ضغط على الحكومة العراقية - مفاوضات للتهدئة.

لم تكن بغداد تتحكم دائماً بالخطوة الأولى، ولم تكن تتحكم بالرد الأميركي.

لكنها كانت مطالبة في كل مرة بمنع الخطوتين من تحويل العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين واشنطن وفصائل المقاومة (المدعومة إقليمياً من إيران وحزب الله في لبنان).

وهنا - وهذا منطق خصوم فصائل المقاومة - أصبح السلاح يؤدي وظيفتين متناقضتين في الوقت نفسه: كان ورقة قوة في مواجهة الولايات المتحدة،

وكان أيضاً عبئاً على قدرة الحكومة على إدارة علاقاتها الخارجية.

الردع... أم توازن الإيذاء؟

هل نجح سلاح الفصائل في ردع الولايات المتحدة؟

إذا كان المقصود بالردع منع الخصم تماماً من استخدام القوة، فالجواب يصعب أن يكون نعم.

فالولايات المتحدة نفذت ضربات متكررة ضد تشكيلات ومواقع مرتبطة بالفصائل خلال هذه المرحلة، كما استمرت في الاحتفاظ بوجود عسكري داخل العراق.

لكن إذا كان المقصود جعل استخدام القوة أكثر تكلفة وتعقيداً، فالإجابة نعم.

الفصائل استطاعت أن تجعل القوات والقواعد والمصالح الأميركية معرضة بصورة مستمرة لخطر صواريخ ومسيّرات وهجمات يصعب أحياناً تحديد مصدرها أو منعها بالكامل. وهذا ليس تفوقاً عسكرياً. إنه أقرب إلى ما يمكن تسميته: توازن الإيذاء.

الولايات المتحدة تستطيع إيقاع أضرار أكبر بكثير بالفصائل، لكن الفصائل تستطيع بدورها إنتاج مستوى من الضرر والكلفة يجعل تجاهلها غير ممكن.

وهذا التفصيل سيكون مهماً عندما نصل إلى قرار حصر السلاح في 2026.

لأن السؤال لن يكون فقط عن عدد الصواريخ التي ستسلّمها الفصائل، بل: هل تستطيع الدولة العراقية أن ترث الوظيفة الردعية التي كانت تؤديها هذه الصواريخ؟

الاختبار المضاد

هنا يعيد تحقيق «أثر» عقارب الساعة إلى نهاية 2017.

لنفترض أن العراق استغل الفرصة التي تحدثنا عنها في الفصل السابق: تم حل جميع التشكيلات المسلحة المستقلة - انتقلت الأسلحة إلى الدولة - انتهى القرار العملياتي للفصائل - وأصبحت بغداد وحدها صاحبة حق استخدام القوة.

ثم جاء الثالث من كانون الثاني/يناير 2020، وضربت الولايات المتحدة موكباً قرب مطار بغداد وقتلت نائب رئيس هيئة عسكرية عراقية وقائد «فيلق القدس» الإيراني.

ماذا كانت الدولة العراقية ستفعل؟

كان بإمكانها الاحتجاج! استدعاء السفير! اللجوء إلى الأمم المتحدة! إعادة النظر في الاتفاقات الأمنية! الضغط برلمانياً لإخراج القوات الأجنبية! والتفاوض على تغيير طبيعة وجودها.

هذه أدوات سيادية حقيقية. لكن ما لم يكن واضحاً أنها كانت تمتلكه، هو أداة عسكرية قادرة على فرض كلفة مباشرة على الولايات المتحدة من دون الدخول في حرب تقليدية لا تستطيع تحملها.

وهذا يقود التحقيق إلى واحدة من أصعب مفارقاته:

قد يكون وجود سلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة قد أضعف احتكار بغداد للقرار، لكنه منح البيئة العراقية في الوقت نفسه قدرة ضغط لم تكن المؤسسة العسكرية التقليدية تملك بديلاً واضحاً عنها.

وهنا يصبح النقاش عن «حصر السلاح» أكثر تعقيداً من مسألة قانونية.

فالدولة لا تحتاج فقط إلى أن تأخذ السلاح. إنها تحتاج إلى أن تسأل: ما الذي كان يفعله هذا السلاح ولا أستطيع أنا فعله؟

ثم تقرر ما إذا كانت تريد إلغاء تلك الوظيفة، أم نقلها إليها.

الدولة التي تفاوض تحت النار

تكشف مرحلة 2020–2021 عن نموذج عراقي شديد الخصوصية.

الدولة تفاوض الولايات المتحدة، والفصائل تضغط على الولايات المتحدة، والولايات المتحدة ترد على الفصائل، والحكومة تحاول منع الطرفين من تجاوز عتبة الحرب.

إنه ليس احتكاراً رسمياً للقوة ولقرار الحرب والسلم، لكنه أيضاً ليس غياباً كاملاً للدولة.

إنه نظام تتوزع فيه القوة بين مستويات متعددة، بينما تبقى الحكومة المركز الذي يتحمل المسؤولية أمام الخارج حتى عندما لا تكون هي صاحبة جميع القرارات في الداخل.

وفي نهاية 2021، تغيرت الصيغة الرسمية للوجود الأميركي، لكن المشكلة الأصلية لم تُحل. السلاح بقي، والفصائل بقيت، والولايات المتحدة بقيت، والدولة بقيت تحاول الموازنة بينها. ثم حدث تحول آخر.

فابتداءً من السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تعد بعض الفصائل العراقية تنظر إلى سلاحها باعتباره أداة مرتبطة حصراً بالعراق أو بالوجود الأميركي فيه.

بدأت الصواريخ والمسيّرات تتحرك ضمن حرب إقليمية أوسع. وأصبح الهدف المعلن للمرة الأولى بصورة متكررة: إسرائيل.

وهنا ينتقل التحقيق من سؤال: هل يستطيع السلاح حماية العراق؟ إلى سؤال أخطر: هل يملك هذا السلاح حق إدخال العراق في حرب لم تقررها حكومته؟


هوامش الفصل الثالث

[15] وزارة الدفاع الأميركية، بيان 2 كانون الثاني/يناير 2020 بتوقيت واشنطن، أعلنت فيه أن الجيش الأميركي، بتوجيه من الرئيس دونالد ترامب، نفذ العملية التي قتلت قاسم سليماني، وقدمت مبرراتها للعملية وربطتها بهجمات وخطط قالت إنها استهدفت أميركيين في العراق والمنطقة.

[16] بعد مقتل سليماني والمهندس، أقر مجلس النواب العراقي في 5 كانون الثاني/يناير 2020 قراراً يدعو الحكومة إلى العمل على إنهاء وجود القوات الأجنبية وإلغاء طلب المساعدة المرتبط بالتحالف الدولي. ويجب التعامل مع طبيعة القرار وصلاحيته التنفيذية ضمن سياقه الدستوري والسياسي، لا باعتباره بذاته انسحاباً للقوات الأجنبية.

[17] في 15 شباط/فبراير 2021، أدى هجوم صاروخي استهدف منطقة مطار أربيل التي تضم قوات من التحالف إلى مقتل متعاقد مدني وإصابة عسكري أميركي ومتعاقدين آخرين، في مثال على استمرار قدرة الجماعات المسلحة على فرض كلفة أمنية على الوجود الأميركي.

[18] البيان المشترك للجولة النهائية من الحوار الاستراتيجي العراقي–الأميركي، 26 تموز/يوليو 2021. اتفق الطرفان على انتقال العلاقة الأمنية إلى التدريب والمشورة والمساعدة وتبادل المعلومات، وعلى عدم وجود قوات أميركية ذات دور قتالي في العراق بعد 31 كانون الأول/ديسمبر 2021.

[19] أكدت البيانات الرسمية العراقية–الأميركية أن القوات الأميركية وقوات التحالف الموجودة في العراق كانت، وفق الصيغة الرسمية، موجودة بدعوة الحكومة العراقية، وأن القواعد التي تستضيفها هي قواعد عراقية، وأن المهمة بعد انتهاء الدور القتالي تركز على المشورة والمساعدة والتمكين والتدريب

2023 - 2026: عندما دخل السلاح "المدى الطويل"

بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تغيرت خريطة الحرب في المنطقة بسرعة.

بدأت الحرب في غزة، ثم تحركت جبهات لبنان واليمن وسوريا والعراق. وفي بغداد، وجدت الفصائل المسلحة نفسها أمام سؤال لم يكن موجوداً بهذه الصورة عندما تشكل الحشد لمواجهة «داعش»: هل وظيفة السلاح حماية العراق فقط، أم حماية محور سياسي وعسكري يتجاوز حدوده؟

الإجابة جاءت من الميدان.

بعد أيام من اندلاع الحرب، بدأت جماعات عراقية تعمل تحت اسم «المقاومة الإسلامية في العراق» باستهداف مواقع تضم قوات أميركية في العراق وسوريا بالصواريخ والطائرات المسيّرة، معلنة أن عملياتها تأتي رداً على الدعم الأميركي لإسرائيل في حرب غزة.[20]

ثم توسعت دائرة الأهداف. لم تعد العمليات تستهدف الوجود الأميركي فقط.

بدأت بيانات «المقاومة الإسلامية في العراق» تعلن بصورة متكررة استهداف مواقع داخل إسرائيل بالطائرات المسيّرة والصواريخ.[21]

كان هذا تحولاً استراتيجياً. فالسلاح الذي حمله العراقي في 2014 لمنع «داعش» من الوصول إلى مدينته، أصبح بعد أقل من عقد قادراً على الانطلاق من العراق أو محيطه نحو أهداف تبعد مئات الكيلومترات.

لقد تغيرت القدرة. لكن شيئاً آخر تغير معها: الجغرافيا السياسية للسلاح.


من الدفاع عن بغداد إلى ضرب "إسرائيل"

لا يمكن التعامل مع جميع بيانات العمليات باعتبارها دليلاً مستقلاً على إصابة أهدافها. ففي عدد من الحالات أعلنت الفصائل تنفيذ ضربات لم تؤكد "إسرائيل" نتائجها، وفي حالات أخرى قالت قوات الاحتلال الإسرائيلية إنها اعترضت الطائرات أو الصواريخ القادمة من الشرق.[22]

لكن عدم ثبوت جميع الادعاءات لا يلغي الحقيقة الأهم: الفصائل العراقية أصبحت تمتلك قدرة فعلية على إيصال طائرات مسيّرة وذخائر إلى المجال العملياتي في فلسطين المحتلة.

وفي الرابع من تشرين الأول/أكتوبر 2024، ظهر دليل أكثر وضوحاً على قدرة هذا السلاح على إحداث خسائر.

أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جنديين من لواء «غولاني» وإصابة آخرين، فيما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الخسائر نتجت عن طائرة مسيّرة أُطلقت من العراق باتجاه الجولان السوري المحتل. وكانت «المقاومة الإسلامية في العراق» قد أعلنت تنفيذ ثلاث عمليات في المنطقة نفسها.[23]

وبذلك انتقل السلاح العراقي، أو جزء منه، من إمكانية الوصول إلى إمكانية الإيذاء الفعلي.

لكن هل يعني ذلك أنه أصبح قوة ردع؟

ليس بالضرورة.

فالقدرة على إصابة الخصم شيء، والقدرة على إجباره على تغيير قراره الاستراتيجي شيء آخر.

لم تتوقف الحرب في غزة نتيجة الضربات العراقية، ولم تتوقف العمليات الإسرائيلية في المنطقة، ولم تظهر أدلة كافية على أن إسرائيل امتنعت عن قرار استراتيجي كبير بسبب الخشية من رد الفصائل العراقية.

لذلك يميز تحقيق «أثر» بين مفهومين: القدرة على الضرب، والقدرة على الردع.

الأولى ثبت وجودها، أما الثانية، فما زالت موضع اختبار.


الضربة التي تجاوزت الخط

كانت أخطر لحظات هذا المسار في 28 كانون الثاني/يناير 2024.

استهدفت طائرة مسيّرة موقعاً عسكرياً أميركياً قرب الحدود الأردنية–السورية، ما أدى إلى مقتل ثلاثة عسكريين أميركيين وإصابة عشرات.[24]

كانت هذه أول خسائر بشرية أميركية بهذا الحجم منذ بدء موجة هجمات الفصائل بعد حرب غزة.

ردت الولايات المتحدة بضربات واسعة استهدفت مواقع "مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وجماعات مسلحة حليفة له في العراق وسوريا"، بحسب بيان البنتاغون.

وبعد التصعيد، انخفضت الهجمات بصورة حادة.

وتشير تقارير لاحقة إلى أن الضغط العراقي والإيراني على فصائل المقاومة العراقية لعب دوراً في وقف الموجة شبه اليومية من العمليات، فيما أعلنت كتائب حزب الله في العراق تعليق عملياتها العسكرية ضد القوات الأميركية لتجنب إحراج الحكومة العراقية.[25]

كانت تلك اللحظة اختباراً مهماً لفكرة الردع.

فالفصائل استطاعت قتل جنود أميركيين، لكن الكلفة التي ترتبت على ذلك دفعتها بعد الرد الأميركي إلى خفض عملياتها.

أي أن المعادلة لم تكن: نضرب، فيتراجع الخصم، بل: نستطيع ضرب الخصم، ويستطيع الخصم الرد بكلفة أعلى، ثم تبدأ عملية ضبط التصعيد.

وهذا يؤكد الاستنتاج الذي وصل إليه التحقيق في الفصل السابق:

السلاح غير المتكافئ يمنح الطرف الأضعف قدرة على الإيذاء ورفع الكلفة، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على التحكم في مستوى التصعيد بعد بدايته.


من يقرر للعراق؟

في النصف الثاني من 2024 أصبحت المفارقة أكثر وضوحاً.

كانت الحكومة العراقية تحاول منع البلاد من الانجرار إلى الحرب الإقليمية، بينما كانت فصائل عراقية تستمر في إطلاق المسيّرات والصواريخ باتجاه "إسرائيل".

وبحسب مصادر حكومية وفصائلية تحدثت إليها Reuters، حاولت حكومة محمد شياع السوداني إقناع الفصائل بوقف عملياتها، كما أرسلت مسؤولين أمنيين كباراً إلى طهران طلباً للمساعدة في ضبطها، من دون نجاح كامل.[26]

في الوقت نفسه، طلبت بغداد من واشنطن المساعدة في منع "إسرائيل" من الرد عسكرياً داخل العراق.[27]

هذه الصورة تختصر مأزق السيادة العراقية: فصيل عراقي يقرر إطلاق طائرة مسيّرة على "إسرائيل" - "إسرائيل" تدرس الرد على العراق - والحكومة العراقية، التي لم تتخذ قرار الهجوم، تتحرك لمنع الرد على أراضيها.

هنا لم يعد السؤال متعلقاً بشرعية القضية الفلسطينية ولا بالموقف من الاحتلال الإسرائيلي.

السؤال الذي يهم هذا التحقيق مختلف: من يملك حق تحديد مستوى المخاطرة التي يتحملها العراق؟

إذا كان قرار إطلاق الصاروخ بيد الفصيل، بينما تقع مسؤولية منع الحرب على الحكومة، فإن العراق يمتلك مستويين مختلفين لقرار الحرب والسلم.

وهذا هو الوجه الآخر للقوة التي ناقشنا قيمتها في الفصل السابق.

فالسلاح الذي يستطيع أن يمنح العراق قدرة على إيذاء خصم أقوى منه، يستطيع أيضاً أن يفرض على العراق نتائج قرار لم تتخذه مؤسساته الدستورية.

وهنا تبلغ معضلة السلاح ذروتها: ما يراه الفصيل ردعاً، قد تراه الدولة مخاطرة، وما تراه الدولة انضباطاً، قد يراه الفصيل عجزاً.


ثم جاءت الصحراء

في مطلع آذار/مارس 2026، انتقل السؤال من النظرية إلى الأرض.

بعيداً عن بغداد، في الصحراء الممتدة قرب النخيب غرب النجف، ظهرت معلومات عن وجود قوة أجنبية في منطقة عراقية نائية.

لم تبدأ القصة بقمر صناعي عراقي ولا بجهاز استخبارات كشف عملية سرية.

بحسب تقارير صحفية لاحقة، بدأت إحدى حلقاتها الحاسمة عندما شاهد راعٍ محلي نشاطاً عسكرياً غير مألوف في الصحراء: جنود - مروحيات - خيام - ومدرج أو مسار مهيأ للطائرات.[28]

بحسب تحقيق سابق لشبكة "أثر" أبلغ الرجل السلطات، ثم اختفى الاتصال به.

لاحقاً عُثر على مركبته محترقة وعلى جثمانه، فيما قال شهود إن مروحية طاردته وأطلقت النار عليه.[29]

وفي اليوم التالي لإبلاغه، تحركت قوة عراقية للاستطلاع. لكنها، بحسب بيان قيادة العمليات المشتركة والتقارير اللاحقة، تعرضت لإطلاق نار ودعم جوي من القوة الموجودة في المنطقة. قُتل جندي عراقي وأصيب اثنان، واضطرت القوة إلى التراجع.[30]

كان المشهد استثنائياً: قوة أمنية عراقية تتحرك داخل الأراضي العراقية لمعرفة هوية قوة أجنبية، فتتعرض للنيران.

لكن ما ظهر لاحقاً كان أكثر خطورة.


ماذا كانت "إسرائيل" تفعل في الصحراء العراقية؟

تقارير دولية لاحقة، استناداً إلى مسؤولين عراقيين وأميركيين وإقليميين، كشفت أن القوات الإسرائيلية أقامت مواقع سرية مؤقتة في الصحراء العراقية لدعم عملياتها العسكرية ضد إيران.[31]

وأفادت التحقيقات المنشورة بأن أحد المواقع بدأ الإعداد له منذ أواخر 2024، واستُخدم خلال حرب حزيران/يونيو 2025 مع إيران، وأن وجوداً إسرائيلياً سرياً آخر كان قائماً أيضاً في الصحراء الغربية العراقية.[32]

تحدث مسؤولون إقليميون عن استخدام الموقع في الدعم الجوي والتزود بالوقود وتقديم العلاج الطبي، بما يقلص المسافات اللازمة لتنفيذ العمليات باتجاه إيران.[33]

وهنا تتقاطع هذه المعلومات المنشورة مع ما توصل إليه تحقيق شبكة «أثر».

فبحسب المعلومات الخاصة التي جمعها فريق «أثر» حول مواقع صحراء النخيب، لم تكن وظيفة النقطة مرتبطة بالاستطلاع والدعم اللوجستي فقط؛ بل دخلت ضمن ترتيبات الدعم والإنقاذ العملياتي للطائرات الإسرائيلية العاملة باتجاه إيران، بما يوفر نقطة أقرب للتعامل مع حالات الطوارئ أو سقوط طيارين أثناء العمليات.

وتتعامل «أثر» مع هذا التفصيل بوصفه نتيجة تحقيقية خاصة بالشبكة، فيما تدعم المصادر الدولية بصورة مستقلة الجزء الأوسع من الرواية المتعلق باستخدام المواقع العراقية للدعم الجوي واللوجستي والطبي للعمليات الإسرائيلية ضد إيران. وهذا التمييز ضروري.

لأن السؤال ليس فقط إن كانت هناك خيمة إسرائيلية في الصحراء، السؤال هو: هل أصبحت الجغرافيا العراقية جزءاً من البنية العملياتية لحرب تشنها دولة أجنبية ضد دولة مجاورة؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن القضية تتجاوز اختراق الحدود.

إنها تعني أن أرض العراق دخلت، من دون قرار حكومي معلن، في حسابات حرب إقليمية.


خمسة وأربعون يوماً

تزداد القضية حساسية عند النظر إلى ما كان معروفاً قبل الوصول إلى الموقع.

فبحسب المعلومات التي جمعها تحقيق «أثر»، انتظرت الدولة العراقية نحو 45 يوماً قبل الانتقال إلى التفتيش الميداني للمنطقة بعد ورود معلومات وشبهات بشأن النشاط الموجود فيها. وتكتسب هذه المعلومة وزناً إضافياً أمام ما كشفته تقارير دولية لاحقة.

فقد قال قائد عسكري عراقي مسؤول عن المنطقة إن الجيش كان يشتبه بوجود إسرائيلي لأكثر من شهر قبل انكشاف الموقع، وإن تجمعات بدوية كانت تبلغ منذ أسابيع عن نشاط عسكري غير معتاد.[34]

وقال القائد إن الجيش راقب النشاط من مسافة وطلب معلومات من نظرائه الأميركيين، لكنه لم يحصل على إجابة حاسمة.[35]

أي أن المشكلة لم تكن بالضرورة أن العراق لم ير شيئاً، قد تكون المشكلة أنه رأى، لكنه لم يقرر الاقتراب، وهذا فارق بالغ الأهمية.

لأن العجز عن حماية السيادة يمكن أن ينتج من سببين مختلفين: عدم القدرة، أو عدم اتخاذ القرار.

وفي الحالتين، النتيجة واحدة بالنسبة إلى هذا التحقيق:

قوة أجنبية استطاعت العمل داخل الأراضي العراقية في سياق حرب إقليمية، بينما لم تستطع الدولة منعها في الوقت المناسب.


الاختبار الأصعب لحصر السلاح

هنا يعود التحقيق إلى السؤال الذي بدأ منه.

في 2026 تطلب الحكومة العراقية أن يصبح السلاح وقرار استخدامه بيد الدولة.

من حيث المبدأ، يصعب الاعتراض على ذلك.

لكن صحراء النخيب تضع أمام الدولة سؤالاً مضاداً: ماذا ستفعل الدولة بهذا الاحتكار عندما تُنتهك أرضها؟

لنفترض أن جميع الفصائل سلمت غداً صواريخها ومسيّراتها، ولنفترض أن جميع غرف العمليات أصبحت تحت سلطة القائد العام للقوات المسلحة، ثم اكتشفت بغداد وجود قوة أجنبية تستخدم أرض العراق لدعم حرب على دولة مجاورة.

هل تستطيع اكتشافها بنفسها؟

هل تستطيع الاقتراب منها؟

هل تستطيع منعها؟

هل تستطيع إغلاق السماء أمامها؟

وهل تملك القرار السياسي باستخدام القوة إذا اقتضى الأمر؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن انتقال السلاح إلى الدولة يعني انتقال السيادة إليها.

أما إذا كانت الإجابة لا، فثمة احتمال آخر أكثر خطورة: أن تحتكر الدولة السلاح، من دون أن تحتكر القدرة على استخدام القوة دفاعاً عن سيادتها.

وهنا تصبح النخيب أكثر من حادثة أمنية...إنها اختبار مسبق لعراق ما بعد الفصائل.


لكن للفصائل اختبارها أيضاً

في المقابل، لا تستطيع الفصائل استخدام النخيب وحدها حجةً دائمة للاحتفاظ بالسلاح، لأن الفترة نفسها قدمت الاختبار المعاكس.

فعندما أطلقت جماعات عراقية الصواريخ والمسيّرات باتجاه "إسرائيل"، حاولت الحكومة منع العراق من دخول الحرب.

وعندما قتلت إحدى الهجمات جنديين إسرائيليين، خشيت بغداد رداً إسرائيلياً على أراضيها واضطرت إلى التحرك دبلوماسياً لمنعه.[36]

وعندما قُتل ثلاثة جنود أميركيين في الهجوم قرب الحدود الأردنية–السورية، دخل العراق والمنطقة في دورة تصعيد جديدة انتهت بضربات أميركية واسعة وضغوط لوقف الهجمات.[37]

إذن المشكلة ليست أن الدولة عاجزة والفصائل قادرة، فهذه صياغة ناقصة.

الصورة الحقيقية أكثر تعقيداً: الدولة تمتلك الشرعية، لكنها لا تمتلك دائماً القدرة أو حرية المبادرة. والفصيل يمتلك أحياناً القدرة والمبادرة، لكنه لا يمتلك شرعية إلزام العراق كله بنتائج قراره.

الأولى تنتج سيادة قانونية قد تكون عاجزة، والثانية تنتج قوة عسكرية قد تقود إلى سيادة مجزأة. وبين الاثنين يقع السؤال الذي سيقرر مستقبل السلاح في العراق.


من يملك مفتاح الإطلاق؟

بعد اثني عشر عاماً من سقوط الموصل، لم يعد الخلاف الحقيقي حول البندقية، ولا حتى حول الصاروخ، إنه حول مفتاح الإطلاق.

من يحدد أن ما يحدث يشكل تهديداً للعراق؟

من يقرر متى تتحول الدبلوماسية إلى قوة؟

من يتحمل كلفة الرد؟

ومن يستطيع منع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران أو أي دولة أخرى من تحويل الأرض العراقية إلى جزء من صراعها؟

إذا كانت الإجابة «الحكومة»، فعليها أن تمتلك القدرة التي تجعل قرارها قابلاً للتنفيذ.

وإذا كانت الإجابة «الفصيل»، فالعراق لا يمتلك مركزاً واحداً لقرار الحرب والسلم.

ولهذا تصل «أثر» في هذه المرحلة إلى نتيجة مؤقتة: سلاح الفصائل أثبت أنه يستطيع الوصول والإيذاء ورفع كلفة بعض أشكال التدخل الخارجي، لكنه لم يثبت أنه يستطيع وحده حماية السيادة العراقية أو ردع خصوم العراق بصورة كاملة. وفي المقابل، لم تثبت الدولة بعد أنها قادرة على وراثة جميع الوظائف التي يؤديها هذا السلاح إذا قررت إنهاء استقلاله.

وهنا تحديداً يصبح قرار الحكومة الجديدة في 2026 أكثر من مشروع أمني، إنه اختبار لنموذج الدولة العراقية نفسه.

فالحكومة لا تطلب اليوم بندقية من مقاتل، إنها تطلب منه التخلي عن حق المبادرة المسلحة المستقلة.

والسؤال الذي سيطرحه المقاتل قبل أن يسلمها هو: لمن أسلّمها؟

وهل الدولة التي ستأخذها قادرة على فعل ما كنت أقول إنني أحملها من أجله؟

ومن هنا نصل إلى المواجهة السياسية التي ستحدد الإجابة.


هوامش الفصل الرابع

[20] وثقت Reuters أن هجمات شبه يومية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على القوات الأميركية في العراق وسوريا بدأت في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتبنتها جماعات تعمل تحت اسم «المقاومة الإسلامية في العراق»، معلنة ارتباط عملياتها بالدعم الأميركي للحرب الإسرائيلية في غزة.

[21] واصلت «المقاومة الإسلامية في العراق» خلال 2024 إعلان هجمات بالطائرات المسيّرة على أهداف إسرائيلية، ومنها مواقع في غور الأردن والجولان ومناطق أخرى، فيما أكد الجيش الإسرائيلي في عدد من الحالات رصد طائرات قادمة من جهة العراق أو سوريا واعتراضها.

[22] لا يمكن اعتماد بيانات الفصائل وحدها لإثبات نتائج جميع العمليات؛ فقد أكدت تقارير مستقلة اعتراض عدد من المسيّرات وعدم وقوع إصابات في بعض الهجمات.

[23] Reuters، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2024: أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جنديين من لواء غولاني وإصابة اثنين بجروح خطرة؛ وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأنهما قتلا بهجوم مسيّرة أطلقت من العراق، فيما أعلنت «المقاومة الإسلامية في العراق» ثلاث عمليات فجر ذلك اليوم.

[24] أدى هجوم بطائرة مسيّرة في 28 كانون الثاني/يناير 2024 على موقع أميركي قرب الحدود الأردنية–السورية إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيين، وشكل نقطة تحول في دورة الهجمات والردود التي بدأت بعد حرب غزة. وتربط المصادر اللاحقة توقف موجة الهجمات شبه اليومية بالرد الأميركي والضغوط العراقية والإيرانية.

[25] Reuters، نيسان/أبريل 2024: توقفت الهجمات شبه اليومية أواخر كانون الثاني بعد الضربات الأميركية الانتقامية والضغط من السلطات العراقية وإيران؛ ثم عادت محاولات محدودة بعد قرابة ثلاثة أشهر.

[26] Reuters، 31 تشرين الأول/أكتوبر 2024: أفادت مصادر حكومية وفصائلية بأن حكومة السوداني حاولت إقناع «المقاومة الإسلامية في العراق» بوقف إطلاق الصواريخ والمسيّرات على إسرائيل، وأن زيارتين لمسؤولين أمنيين عراقيين كبار إلى إيران لم تنجحا في وقف العمليات.

[27] المصدر نفسه: قالت مصادر عراقية إن بغداد طلبت من واشنطن المساعدة في منع رد إسرائيلي داخل العراق بعد تصاعد عمليات الفصائل.

[28] تحقيق صحفي نشر في أيار/مايو 2026 استناداً إلى مسؤولين عراقيين وإقليميين وشهود محليين، روى اكتشاف راعٍ لنشاط عسكري يضم جنوداً ومروحيات وخياماً قرب مسار للطائرات في صحراء النخيب.

[29] المصدر نفسه نقل عن شهود وأفراد من عائلة الراعي أن مروحية طاردت مركبته وأطلقت عليها النار، وأن جثمانه ومركبته المحترقة عُثر عليهما لاحقاً. هذه التفاصيل تعتمد على روايات الشهود والعائلة، وليست نتيجة قضائية عراقية نهائية.

[30] أفادت تقارير عن الواقعة بأن قوة عراقية أُرسلت للاستطلاع تعرضت لإطلاق نار، وقُتل أحد أفرادها وأصيب اثنان. كما أكدت AP لاحقاً أن قوة أمنية عراقية حاولت التحقيق في الموقع وتعرضت لهجوم جوي.

[31] Associated Press، 2026: نقلت عن مسؤولين عراقيين وأميركيين أن قوة إسرائيلية أقامت موقعاً عسكرياً مؤقتاً قرب النخيب خلال الحرب مع إيران، واستخدمته مركزاً لوجستياً لقوات خاصة إسرائيلية.

[32] تحقيق منشور في 18 أيار/مايو 2026، استناداً إلى مسؤولين عراقيين وإقليميين، تحدث عن موقعين إسرائيليين سريين في الصحراء العراقية، وقال إن الإعداد لأحدهما بدأ أواخر 2024 وإنه استخدم خلال حرب حزيران/يونيو 2025 ضد إيران.

[33] نقل التحقيق نفسه عن مسؤولين أمنيين إقليميين أن الموقع استُخدم للدعم الجوي والتزود بالوقود والعلاج الطبي، بهدف تقليص المسافة العملياتية للطائرات العاملة باتجاه إيران.

[34] قال اللواء علي الحمداني، قائد قوات غرب الفرات، إن الجيش كان يشتبه بوجود إسرائيلي في المنطقة لأكثر من شهر قبل انكشاف الموقع، وإن المجتمعات البدوية أبلغت لأسابيع عن نشاط عسكري غير مألوف.

[35] بحسب الرواية نفسها، اختارت القوات العراقية المراقبة من بعيد وطلبت معلومات من الجانب الأميركي، قبل أن تتحرك لاحقاً نحو الموقع؛ وقال الحمداني إن الجانب الأميركي أكد لاحقاً أن القوة التي اشتبكت مع العراقيين لم تكن أميركية.

[36] بعد هجوم 4 تشرين الأول/أكتوبر 2024 الذي أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة أكثر من عشرين وفق مصادر Reuters، تحركت بغداد سعياً لمنع إسرائيل من الرد داخل العراق.

[37] الهجوم الذي قتل ثلاثة عسكريين أميركيين في كانون الثاني/يناير 2024 أعقبه رد عسكري أميركي وضغوط أدت إلى انخفاض حاد في هجمات الجماعات العراقية على القوات الأميركية.

2026: من يريد حصر السلاح ولصالح من؟

2026: من يريد حصر السلاح ولصالح من؟

في الدول المستقرة، تبدو العبارة بديهية: السلاح بيد الدولة.

لكن في العراق، تكفي محاولة تحديد المقصود بكلمة «الدولة» حتى تبدأ المشكلة.

فالحكومة التي تطالب الفصائل اليوم بتسليم سلاحها لم تولد في فراغ سياسي. والقوى التي تدعمها ليست منفصلة بالكامل عن القوى التي تحمل السلاح. و«الإطار التنسيقي»، الذي يشكل مركز الثقل الشيعي في النظام السياسي، يضم أحزاباً وقوى لها علاقات تاريخية وسياسية متفاوتة مع فصائل وتشكيلات داخل الحشد الشعبي وخارجه.

ولهذا تبدو الصورة للوهلة الأولى متناقضة: جزء من البيئة السياسية التي أنتجت الحكومة هو نفسه جزء من البيئة التي أنتجت السلاح الذي تريد الحكومة حصره.

وفي حزيران/يونيو 2026، كان الإطار التنسيقي نفسه قد كلّف رئيس الوزراء علي الزيدي، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، اتخاذ الإجراءات اللازمة لحصر السلاح بيد الدولة.[38]

وفي آب/أغسطس، لم تترك القوى الشيعية الملف للحكومة وحدها، بل شكل الإطار لجنة ضمت ثلاثة من أثقل أسمائه: رئيسي الوزراء السابقين محمد شياع السوداني ونوري المالكي، وزعيم منظمة بدر هادي العامري، للتفاوض مع الفصائل والبحث عن آلية تمنع تحوّل الملف إلى صدام داخلي.[39]

هذه ليست تفصيلة إجرائية، إنها تكشف طبيعة المشكلة.

فلو كانت القضية ببساطة دولة في مواجهة جماعات خارجة عليها، لكانت وزارة الداخلية أو وزارة الدفاع والقضاء كافية للتعامل معها.

لكن عندما يحتاج أكبر تحالف سياسي شيعي إلى إرسال المالكي والعامري والسوداني للتفاوض مع الفصائل، فنحن أمام شيء أكثر تعقيداً: الدولة تفاوض جزءاً من بنيتها السياسية والاجتماعية والعسكرية على إعادة تعريف موقع القوة داخلها.


الدولة ليست طرفاً واحداً

منذ 2003، اعتاد العراقيون الحديث عن «الدولة» و«الأحزاب» كما لو كانتا عالمين منفصلين لكن في ملف السلاح يصعب الحفاظ على هذا الفصل.

هناك رئيس وزراء وقائد عام للقوات المسلحة، وهناك جيش وشرطة وجهاز مكافحة إرهاب ومؤسسات أمنية رسمية، وهناك هيئة حشد شعبي ممولة من الموازنة العامة ومرتبطة قانونياً بالقائد العام، وهناك، في الوقت نفسه، فصائل تحتفظ بدرجات متفاوتة من الاستقلال التنظيمي والعقائدي والعملياتي.

وفوق ذلك كله توجد أحزاب تشارك في البرلمان والحكومة، ولها علاقات مباشرة أو تاريخية ببعض هذه التشكيلات.

لذلك لا يصف تحقيق «أثر» العراق بأنه دولة تواجه «دولة داخل الدولة». الأدق أنه أمام: دولة تتداخل داخلها مراكز متعددة للقوة، لكنها لا تخضع جميعاً بالدرجة نفسها لمركز قرار واحد.

وهذا يفسر لماذا استمرت مشكلة السلاح رغم وجود قوانين وأوامر حكومية سابقة يفترض أنها حسمتها.

المشكلة لم تكن غياب النص، كانت دائماً: من يستطيع تنفيذ النص؟


لكن هناك طرفاً آخر في الغرفة

إذا كان حصر السلاح مطلباً عراقياً داخلياً، فإنه في الوقت نفسه مطلب أميركي واضح. وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية.

فواشنطن لا تنظر إلى جميع الأسلحة الموجودة في العراق بالطريقة نفسها.

المشكلة الأميركية الأساسية ليست بندقية الجندي العراقي ولا دبابة الجيش، إنها القدرة العسكرية التي تمتلكها جماعات مرتبطة بدرجات مختلفة بإيران، والتي تستطيع استهداف القوات والمصالح الأميركية وإسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

في أيلول/سبتمبر 2026، وصفت Reuters المواجهة حول السلاح بأنها واحدة من أصعب اختبارات حكومة الزيدي، مشيرة إلى أن رئيس الوزراء تعهد بالمضي في حصر سلاح الجماعات المدعومة من إيران، بينما رفضت قوى، في مقدمتها كتائب حزب الله، التخلي عن قدراتها وفق الجدول الحكومي.[40]

وبذلك تتقاطع مصلحتان في نقطة واحدة: الدولة العراقية تريد مركزاً واحداً لقرار القوة.

والولايات المتحدة تريد إنهاء قدرة الفصائل المرتبطة بإيران على استخدام القوة بصورة مستقلة.

لكن تطابق الهدف في نقطة لا يعني تطابق المشروعين بالكامل.

وهنا يبدأ السؤال الذي لا يستطيع هذا التحقيق تجاوزه: هل تريد واشنطن دولة عراقية تحتكر القوة، أم تريد دولة تحتكر القوة بشرط ألا تتحول هذه القوة إلى تهديد لمصالح واشنطن وحلفائها؟


أميركا بنت جيشاً عراقياً... ولكن أي جيش؟

من الخطأ القول إن الولايات المتحدة سعت منذ 2003 إلى إبقاء العراق بلا قوة عسكرية. فالوقائع تقول العكس في مجالات عديدة.

أنفقت واشنطن مليارات الدولارات على تدريب وتجهيز القوات العراقية، وساهمت في بناء جهاز مكافحة الإرهاب، وزودت العراق بطائرات F-16 ودبابات M1A1 وأنظمة تسليح وتدريب ومراقبة مختلفة.[41]

أي أن الولايات المتحدة لم تعارض مبدأ وجود جيش عراقي قوي.

لكن السؤال الأكثر دقة هو: قوي لأداء أي وظيفة؟

خلال حرب «داعش»، تطورت القوات العراقية بصورة كبيرة في مكافحة الإرهاب والعمليات البرية والقتال داخل المدن.

لكن المجال الذي بقي أكثر حساسية هو القدرة الاستراتيجية المستقلة على حماية الأجواء العراقية ومواجهة قوة جوية إقليمية متفوقة.

وهذا ليس نقاشاً نظرياً بعد ما حدث في النخيب.

فالدولة التي تستطيع ملاحقة خلية إرهابية داخل الموصل لا تمتلك بالضرورة الأدوات نفسها لمنع طائرة أجنبية متطورة من عبور أجوائها أو استخدام جزء ناءٍ من أراضيها في عملية إقليمية. وهنا يظهر فرق جوهري بين مفهومين: بناء قدرة الدولة على ضبط الداخل، وبناء قدرة الدولة على فرض استقلالها الاستراتيجي على الخارج.

ليس الاثنان شيئاً واحداً.


الحليف الذي يستطيع الضغط على اختيار الحكومة

تزداد حساسية هذا السؤال عندما نغادر الملف العسكري ونذهب إلى السياسة.

فالولايات المتحدة لا تمتلك في العراق جنوداً ونفوذاً أمنياً فقط. لديها أدوات مالية ودبلوماسية واقتصادية تجعل موقفها جزءاً من حسابات القوى العراقية نفسها.

وقد ظهر ذلك بوضوح خلال عملية تشكيل الحكومة الأخيرة.

عندما طُرح اسم نوري المالكي مجدداً لرئاسة الحكومة، لم تكتف واشنطن بإبداء عدم ارتياحها خلف الأبواب المغلقة. أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب معارضته عودته، ولوّحت الإدارة الأميركية بكلفة سياسية واقتصادية إذا تشكلت حكومة تعتبرها واشنطن بعيدة عن مصالحها.[42]

لكن من الخطأ أيضاً اختزال ما حدث في عبارة: «أميركا اختارت رئيس الوزراء العراقي».

فالمالكي كان يواجه خلافات واعتراضات داخل البيت السياسي الشيعي نفسه، وكانت عملية تشكيل الحكومة محكومة بصراعات داخلية حقيقية.

غير أن ما تكشفه الواقعة هو شيء آخر: لا تستطيع القوى العراقية التي تصنع الحكومة تجاهل الكلفة الأميركية عند اختيارها.

وهذه صورة من النفوذ تختلف عن الاحتلال العسكري المباشر، يمكن تسميتها قوة الفيتو المؤثر.

واشنطن لا تختار بالضرورة من يحكم العراق، لكنها تستطيع رفع كلفة بعض الخيارات إلى درجة تجعل القوى العراقية تعيد حساباتها.

وهنا يصبح ملف السلاح مرتبطاً بملف أوسع بكثير: استقلال القرار العراقي نفسه.


المفارقة الأميركية

من هنا يمكن صياغة واحدة من أهم مفارقات التحقيق.

الفصائل تقول إن سلاحها ضروري جزئياً لحماية استقلال العراق من الولايات المتحدة. لكن وجود هذا السلاح المستقل يمنح الولايات المتحدة في الوقت نفسه واحداً من أهم مبرراتها لممارسة الضغط على العراق: عقوبات، تهديدات، اشتراطات أمنية، ضغط على المؤسسات المالية، ومطالب مستمرة بإبعاد الجماعات المرتبطة بإيران عن الدولة.

بمعنى آخر: السلاح الذي يُرفع لمواجهة النفوذ الأميركي يمكن أن يتحول هو نفسه إلى أحد المداخل التي يستمر عبرها ذلك النفوذ.

لكن الوجه المقابل للمفارقة لا يقل أهمية.

فإذا نزعت بغداد هذا السلاح تحت ضغط أميركي، من دون أن تبني قدرة عسكرية مستقلة ومن دون أن يصبح قرارها السياسي والمالي أكثر استقلالاً، فقد يحدث العكس: يختفي أحد مداخل التدخل الأميركي، لكن تختفي معه أيضاً إحدى أدوات الضغط التي كانت قادرة على مقاومة هذا التدخل.

ولهذا لا يكفي أن نسأل: هل حُصر السلاح؟

يجب أن نسأل أيضاً: ماذا حدث لاستقلال الدولة بعد حصره؟


«السلاح مقابل السيادة»

في 29 آب/أغسطس 2026، وضعت كتائب سيد الشهداء هذه المعضلة في صيغة سياسية مباشرة.

أعلنت الحركة عشرة شروط للانخراط في عملية تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة، وقالت إن حمل السلاح لم يكن غاية بحد ذاته، بل ضرورة فرضتها التهديدات؛ فإذا زالت الأسباب التي أوجدته، زالت الحاجة إليه.[43]

وبعد أيام، اختصر الأمين العام للكتائب أبو آلاء الولائي الموقف بعبارة: «تنظيم السلاح مقابل السيادة الكاملة والشاملة».[44]

قد تبدو العبارة للوهلة الأولى محاولة لوضع شروط تعجيزية. لكن عندما نفكك الشروط العشرة، تظهر صورة تستحق التوقف.

طالبت الكتائب بـ:

  1. انسحاب عسكري أميركي كامل من البر والبحر والجو، ومنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية لضرب دول أخرى، ولا سيما دول الجوار.

  2. تشريع القوانين المتعلقة بالحشد الشعبي بما يضمن حقوق المنتسبين والشهداء والجرحى وينظم الخدمة والتجهيز.

  3. فرض السيادة الأمنية الاتحادية على كامل الأراضي العراقية.

  4. بناء دفاع جوي متطور يعمل بقرار عراقي حصراً وقادر على مواجهة الاعتداء أياً كان مصدره.

  5. إخراج عناصر حزب العمال الكردستاني من الأراضي العراقية بما ينهي الذريعة التركية للعمليات العسكرية.

  6. إنهاء وجود القوات التركية في شمال العراق.

  7. إمساك الجيش العراقي بحدود إقليم كردستان وإدارة الحكومة الاتحادية للمنافذ الحدودية.

  8. إخراج جماعات المعارضة الإيرانية المسلحة من مواقعها في شمال العراق لمنع استخدام الأراضي العراقية في الاعتداء على دول الجوار.

  9. إنهاء ما تصفه الكتائب بالهيمنة الأميركية على القرار المالي والاقتصادي العراقي.

  10. إنهاء التدخل الأميركي في القرار السياسي الداخلي ودور المبعوثين والسفارة في التأثير على تشكيل القرار العراقي.[45]

وهنا يجب أن يتوقف التحقيق.

لأن جزءاً كبيراً من هذه المطالب لا يتعلق بامتيازات الفصيل: الدفاع الجوي، ضبط الحدود، إخراج القوات الأجنبية، منع استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار، ضمان حقوق المقاتلين والجرحى وعائلات الشهداء، السيطرة على المنافذ.

هذه، في الأصل، وظائف طبيعية لأي دولة ذات سيادة.

وهنا يصبح السؤال: هل وضعت الفصائل شروطاً لتسليم السلاح، أم أنها ـ من موقعها ومصلحتها الخاصة ـ كتبت قائمة بالوظائف التي يجب أن تؤديها الدولة حتى يصبح وجودها المسلح غير ضروري؟


ليست الشروط كلها سواء

لكن قبول هذا السؤال لا يعني قبول الشروط العشرة كما هي.

فثمة فارق بين شرط يمكن قياسه، وشرط يمكن تمديده إلى ما لا نهاية.

يمكن قياس خروج قوة أجنبية من قاعدة، يمكن التحقق من انتشار الجيش على الحدود، يمكن معرفة ما إذا كانت منظومة دفاع جوي دخلت الخدمة، يمكن إصدار قانون يحدد حقوق المقاتلين والشهداء والجرحى.

لكن كيف نقيس: «إنهاء الهيمنة الأميركية»؟

ومتى نستطيع إعلان أن: «القرار السياسي العراقي تحرر بالكامل»؟

إذا أصبحت هذه العبارات شروطاً مطلقة تسبق أي انتقال للسلاح، يمكن لأي فصيل أن يقول بعد عشر سنوات إن السيادة لم تكتمل بعد، ولذلك ما زالت الضرورة قائمة. وعندها تتحول شروط بناء الدولة إلى حق دائم في امتلاك قوة مستقلة عنها.

وهذا يعيدنا إلى خطأ 2017، فالضرورة تفسر السلاح، لكنها لا تستطيع أن تمنحه شرعية أبدية.


وهناك سؤال آخر: أي سلاح؟

طرحت الفصائل في مفاوضاتها الأخيرة مبدأ آخر لا يقل أهمية:

إذا كان العراق سيحصر السلاح بيد الدولة، فيجب أن يشمل القرار كل العراق وكل الجماعات المسلحة، لا الفصائل الشيعية وحدها.[46]

وهذه النقطة تتجاوز مصالح الفصائل نفسها.

فالدولة لا تستطيع أن تقول إن السلاح خارج سلطتها مشكلة في بغداد، لكنه يصبح وضعاً خاصاً مشروعاً عندما ينتقل إلى منطقة أخرى أو تحمله قوة مرتبطة بمكون آخر.

إذا كان المبدأ هو: لا قرار عسكري خارج الدولة، فيجب أن يكون تعريف «الدولة» واحداً من البصرة إلى زاخو، وإلا يتحول حصر السلاح من مشروع سيادة إلى إعادة توزيع للقوة بين مكونات النظام.


اختبار «أثر» الخماسي

بعد اثني عشر عاماً من التجربة، تقترح «أثر» اختباراً مختلفاً للحكم على مشروع حصر السلاح.

ليس السؤال: كم مخزناً أغلق؟ ولا: كم فصيلاً أعلن حل نفسه؟ ولا حتى: كم صاروخاً أصبح في مستودع حكومي؟

هناك خمسة أسئلة أصعب:

أولاً: هل انتقلت القدرة؟ هل تنتقل خبرات الطائرات المسيّرة والصواريخ والاستطلاع والحرب غير المتكافئة إلى مؤسسة دفاع عراقية، أم يجري تفكيكها؟

ثانياً: هل تستطيع الدولة حماية السيادة؟ هل تستطيع منع تكرار النخيب؟ هل تستطيع حماية الأجواء والحدود ومنع استخدام الأرض العراقية في حروب الآخرين؟

ثالثاً: هل أصبح القرار عراقياً؟ ليس فقط قرار الفصيل، بل قرار الحكومة نفسها. هل تستطيع بغداد اتخاذ قرار يخالف واشنطن أو طهران عندما تتطلب المصلحة العراقية ذلك، وتحمل كلفته؟

رابعاً: ماذا يحدث للإنسان الذي يقف خلف السلاح؟ المقاتل، الجريح، عائلة الشهيد، الموظف الذي أمضى سنوات داخل هذه المؤسسات. هل ينتقلون إلى الدولة، أم تُطلب منهم التضحية بالبنية التي رعتهم ثم يُتركون في فراغ اجتماعي واقتصادي؟

خامساً: هل الحصر شامل ومتزامن؟ هل يسري على الجميع؟ وهل تتقدم عملية تسليم السلاح بالتزامن مع بناء البديل، أم يُطلب من الفصيل التخلي عن قدرته اليوم مقابل وعد بأن الدولة ستبني قدرتها غداً؟

هذه الأسئلة الخمسة تقود إلى نتيجة مختلفة عن الخطاب السائد.

مبدأ حصر السلاح صحيح لبناء الدولة، لكن: صحة المبدأ لا تعني بالضرورة صحة الطريقة أو التوقيت أو الشروط التي ينفذ بها.


الدولة التي ينبغي أن تستلم السلاح

بعد كل ما سبق، يصبح السؤال الحقيقي أكثر وضوحاً.

لا يكفي أن تنتقل الصواريخ من مستودع يحمل اسم فصيل إلى مستودع يحمل شعار وزارة الدفاع. فإذا بقيت السماء مفتوحة، والحدود مخترقة، والقرار المالي معرضاً للضغط، والقرار السياسي موزعاً بين واشنطن وطهران والقوى الداخلية، فإن العراق يكون قد غيّر مالك السلاح، لكنه لم يحسم بالضرورة مالك السيادة.

وفي المقابل، لا تستطيع الفصائل مطالبة الدولة بإكمال سيادتها أولاً ثم التفكير في تسليم السلاح لاحقاً، بينما يحتفظ كل منها بحق مستقل في تحديد العدو وإطلاق النار.

فالدولة لن تصبح صاحبة سيادة كاملة إذا بقي قرار الحرب موزعاً.

وهكذا يبدو الطرفان عالقين في معادلة دائرية: الفصائل تقول "ابنوا الدولة لنسلم السلاح"، والدولة تقول "سلموا السلاح كي نستطيع بناء الدولة".

ربما يكون الخطأ في السؤالين معاً.

فالانتقال لا يمكن أن يحدث على مرحلتين منفصلتين، بل يجب أن يحدث في الوقت نفسه.

كل قدرة تنتقل من الفصيل يقابلها بناء قدرة داخل الدولة.

كل وحدة تحل يقابلها استيعاب مؤسسي.

كل مقاتل يخرج يقابله مسار قانوني أو وظيفي أو تقاعدي.

كل خطوة في إنهاء القرار العسكري المستقل يقابلها تقدم في قدرة بغداد على حماية الأرض والسماء واتخاذ القرار.

وهذا ما يمكن تسميته: «الانتقال السيادي»

ليس نزعاً للسلاح، وليس إبقاءً له، بل: نقل القوة من الفصيل إلى الدولة.

لكن ماذا لو لم يحدث ذلك؟

ماذا لو بقي السلاح كما هو؟

وماذا لو نجحت الحكومة في نزعه، لكنها فشلت في وراثة قوته؟

وماذا لو رفضت بعض الفصائل وبدأ الصدام؟

هنا ينتهي التحقيق في الماضي والحاضر، ويبدأ التحقيق... في شيء لم يقع بعد.


هوامش الفصل الخامس

[38] تقارير عراقية في حزيران/يونيو 2026 أفادت بأن الإطار التنسيقي كلّف رئيس الوزراء علي الزيدي اتخاذ الإجراءات اللازمة لحصر السلاح بيد الدولة، فيما جعل البرنامج الحكومي الملف في مقدمة أولوياته.

[39] في آب وأيلول/سبتمبر 2026، شكّل الإطار التنسيقي لجنة ضمت محمد شياع السوداني ونوري المالكي وهادي العامري للتفاوض مع الفصائل حول آليات حصر السلاح وتجنب التصعيد الداخلي.

[40] Reuters، 9 أيلول/سبتمبر 2026: تناولت مقاومة عدد من الفصائل المدعومة من إيران لخطة رئيس الوزراء علي الزيدي، وربطت الملف بموعد 30 أيلول/سبتمبر وانتهاء مرحلة من مهمة التحالف الدولي، مع استمرار رفض قوى بينها كتائب حزب الله نزع سلاحها وفق الصيغة المطروحة.

[41] برنامج بناء القوات العراقية بعد 2003 شمل تجهيزات وتدريباً أميركياً واسعاً، بما فيه طائرات F-16 ودبابات M1A1 وتطوير قدرات مكافحة الإرهاب. وسيُستكمل توثيق القيمة الإجمالية ونوعية منظومات الدفاع الجوي في النسخة النهائية من التحقيق من المصادر الحكومية الأميركية والعراقية الأصلية.

[42] شهدت عملية تشكيل الحكومة الأخيرة ضغطاً أميركياً علنياً على خيار عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء، إلى جانب عوامل وخلافات عراقية داخلية. لذلك يتعامل التحقيق مع الموقف الأميركي باعتباره عاملاً مؤثراً في كلفة الاختيار لا دليلاً على أن واشنطن منفردة اختارت رئيس الحكومة.

[43] كتائب سيد الشهداء، بيان 29 آب/أغسطس 2026، وضعت عشرة شروط للتعامل مع عملية تنظيم السلاح، وقالت إن السلاح نشأ نتيجة تهديدات وإن زوال الأسباب ينهي الحاجة إليه.

[44] أبو آلاء الولائي، الأمين العام لكتائب سيد الشهداء، أعاد في 6 أيلول/سبتمبر صياغة الموقف بعبارة «تنظيم السلاح مقابل السيادة الكاملة والشاملة»، واعتبر المعادلة غير قابلة للتجزئة.

[45] تتضمن الشروط العشرة: الانسحاب الأميركي، تشريع حقوق الحشد، فرض السيادة الاتحادية، بناء دفاع جوي عراقي، إخراج PKK والقوات التركية، ضبط الحدود والمنافذ في إقليم كردستان، إخراج المعارضة الإيرانية المسلحة، وإنهاء ما تصفه الكتائب بالهيمنة الأميركية المالية والاقتصادية والسياسية.

[46] تظهر المفاوضات الجارية أن الخلاف لا يقتصر على مبدأ الحصر، بل يشمل نطاقه وضماناته والجهة التي ستتسلم الأسلحة وما سيحدث لها بعد التسليم؛ كما تربط الفصائل الملف بمفهوم «السيادة الكاملة» وانتهاء الوجود الأجنبي.

قيادي كبير في المقاومة الإسلامية في العراق لشبكة "أثر": هذه هي خارطتنا لطريق تنظيم السلاح

قيادي كبير في المقاومة الإسلامية في العراق لشبكة "أثر": هذه هي خارطتنا لطريق تنظيم السلاح

في حديث خاص لشبكة "أثر"، فنّد قيادي كبير في "المقاومة الإسلامية في العراق" - فضّل عدم الكشف عن هويته - مطلب حصر السلاح.

يقول "إن هذا المطلب، وفي هذا التوقيت بالذات، لا يمكن فصله عن الصراع الدولي حول خارطة المنطقة المشتعلة من اليمن جنوباً إلى العراق شمالاً، وما بينهما من ساحات اشتباك في لبنان وسوريا وايران. إن مطلب حصر السلاح بيد الدولة يحتاج إلى بيئة هادئة لكي يستمع الناس إلى بعضهم البعض واتخاذ القرار الصائب في مصلحة الوطن".

ويضيف: "نحن مع سيادة الدولة، وأصل سلاح المقاومة في العراق هو حضوره للدفاع عن السيادة، على عكس أسلحة كثيرة في العراق لا يأتِ أحدٌ على ذكرها، لأنها أسلحة تخدم مشروع تفكيك الدولة وتقسيمها إلى دويلات متناحرة تخدم مشروع الهيمنة الذي يفصح عنه الصهاينة والأميركيون جهاراً ودون مواربة"، ويسأل: "حين حصل 7 أكتوبر في غزة، ألم يقل وزير الخارجية الأميركية حينها: أنا لم آت بصفتي وزيراً للخارجية، بل بصفتي يهودياً؟".

ويطرح القيادي الكبير حلّاً لمشكلة افتعلتها الحكومة، وهي بالمناسبة "مطلب المقاومة نفسها، بأن يكون في العراق دولة مقتدرة وعادلة تتمكّن من حماية أمن العراق وسيادته ووحدة أراضيه، ونحن في هذا المطلب خلفها ونأتمر بأوامرها كشعبٍ غيور على منعة بلده وحقه في استثمار ثرواته بقرار سيادي مستقل".

ويقول: "بعض الفصائل التي استجابت لدعوة حصر السلاح بيد الدولة لديها رؤيتها الخاصة المستندة الى مبررات قد لا نتفق مع بعضها، ولكن مما لا شك فيه ان هنالك استعجال واضح وغير مبرر رافق موقفها، وبالتأكيد، هي الأقدر على تقديم إجابة أكثر تفصيلًا بشأن دوافعها، علماً ان تلك الفصائل لم يكن لها دور يذكر بعد وقبل عمليات الوعد الصادق 4 ولم تكن جزءً من عمليات المقاومة الاسلامية ضد الاحتلالين الامريكي والصهيوني".

وحول ما يقال عن تبعية السلاح لإيران واستخدامه لمصلحتها، يشدد القيادي: "ان الإخوة في الجمهورية الإسلامية يدركون خصوصية الوضع العراقي، ويدركون كذلك اختلاف ظروفه السياسية والأمنية والاقتصادية عن غيره، ولذلك فإنهم يدعمون استقلالية القرار العراقي ويحترمون خصوصية التجربة فيه. ومن هذا المنطلق، نرى أن الموقف الإيراني يمثل عاملًا إيجابيًا في التعامل مع هذا الملف، وليس عاملًا سلبيًا. ان تنظيم السلاح، امام سيادة العراق، مطلب مرجعي وشعبي وهو مطلب كل العراقين الذين وقفوا خلف المقاومه بهذه المطالب والاشتراطات".

وتتمثل خارطة الطريق هذه، بحسب القيادي فيما يلي:
1- إن وقف التدخل الأميركي في الشأن الداخلي العراقي يمثل مطلبًا وطنيًا عامًا، ويرتبط بصورة مباشرة بسيادة العراق واستقلال قراره، ولذلك لا نراه شرطًا تعجيزيًا أو ذريعة للالتفاف على قضية تنظيم السلاح، ومن يقول بذلك قد يقول غدًا إن قانون عدم تطبيع العراق مع الكيان الصهيوني هو قانون تعجيزي!

2- إن موعد الثلاثين من أيلول يمثل الموعد النهائي لإخراج قوات الاحتلال الامريكي من العراق، ومعها ما يُسمى بالتحالف الدولي، وهو بالدرجة الأولى موعد مرتبط بهذا الحدث الهام والنصر الكبير الذي ينتظره العراقيون بشعور كبير بالفخر، لما يمثله من استعادة جزء مهم من سيادة البلاد اذا ما شهد إلتزام من قبل الجانب الامريكي الذي لا نثق به بالمرة. والأشهر الثلاثه الاولى تكون المقاومة تراقب الانسحاب الأميركي الكامل وعدم حصول خروقات. واي خروقات تحصل ستعتبر المقاومة أن الاتفاق ملغي. والأشهر الثلاثة التالية لمهلة الثلاثين من حزيران 2027 التي تحدث عنها رئيس الحكومة، فيجب أن يحصل خلالها: اخراج الميليشيات الكردية PKk والمعارضة الايرانيه من العراق، والانسحاب التركي من محافظه الموصل.
اما الأشهر الثلاثه الأخيرة قبل الموعد النهائي، فيحصل فيها: انسحاب الأتراك من شمال العراق إلى الحدود الصفرية الدولية. ونزول الجيش العراقي على حدود تركيا وايران وتفعيل منظومات الدفاع الجوي وغيرها. بعدها نحن منفتحون على أي نقاش حول تنظيم السلاح.

3- الحوار مع الحكومة مستمر وهنالك تفهم متبادل للقناعات اوجد ارضية مشتركة للحديث، علماً ان كل الحديث الصادر عن المقاومة ينصب على مطلب سيادة العراق ومتطلباته ولا شيء غير ذلك، والمقاومة تقول إن حوار لسنوات أفضل من إراقة دم عراقي واحد.

ويختم القيادي لشبكة "أثر": "لا نعتقد ان الامور ستصل الى طريق مسدود لان وصولها الى ذلك يعني ان الاحتلال الامريكي اصبح هو طرف الحوار بدلًا عن الحكومة العراقية، لذا فمن الطبيعي ان يسعى الأميركيون لكي تصل الأمور الى طريق مسدود لكي لا يستعيد العراق سيادته، وخصوصا اننا طالبنا الحكومه بتحرير القرار السياسي وخلاص العراق من الاحتلال المالي الأمريكي".

كتائب سيد الشهداء: التهديد بالعقوبات جعجعة والطحين مسروق

ترفع الحكومة العراقية الجديدة شعار "فلنتجنب العقوبات المالية الأميركية". لا يتحدث رئيس الوزراء علي الزيدي كثيراً في تصريحاته عن دعوة فصائل المقاومة العراقية التي لم تتخلَّ بعد عن سلاحها إلى الحوار، كما أن إطلالاته الإعلامية تخلو تقريباً من تفنيد المطالب بضمان السيادة ومواجهة التهديدات ورفع مستوى القدرات العسكرية للجيش العراقي وتزويده بمنظومات سلاح جو دفاعي فعّال.

لكن تصريحاً واحداً لا يخلو من الإشارة إلى الواقع الاقتصادي العراقي الهش، برغم امتلاك العراق للثروات الطبيعية من النفط إلى زراعة التمور، وليس انتهاء بموقع العراق الاستراتيجي الذي يمكّنه من بناء شبكة علاقات اقتصادية على مستوى العالم.

في آخر تصريحاته، لفت إلى أن عائدات النفط تراجعت بنسبة 60% نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة.

وتعمل الماكينة الإعلامية المؤيدة لقرارات الحكومة العراقية على التحذير من أن إغضاب الولايات المتحدة سيرتدّ عقوبات مالية أميركية على المصرف المركزي نتيجة إمساك البنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي في نيويورك بأموال عائدات النفط منذ غزوها للعراق فيما يُعرف بالقرار الدولي رقم "1483" الذي صدر عن مجلس الأمن في أيار 2003 وقضى بإيداع الإيرادات المتأتية من مبيعات العراق النفطية في حساب خاص لدى الفيدرالي الأمريكي تحت اسم "صندوق تنمية العراق"، خصوصاً وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب جدّد في أيار 2026 أمراً للكونغرس بتمديد حالة الطوارئ الوطنية الخاصة بالعراق لمدة عام إضافي، وهو ما يتيح وضع جميع عائدات النفط تحت سيطرته في بنك الاحتياطي الفيدرالي.

نص الأمر التنفيذي رقم 13303 الصادر عن ترامب بتمديد حالة الطوارئ الوطنية بشأن العراق - 4 أيار/مايو 2026

في هذا الشأن، وضمن بودكاست شبكة "أثر"، علّق القيادي في كتائب سيد الشهداء في العراق عباس الزيدي على هذه التهديدات بأنها "مجرد أراجيف ومخاوف" ليست في محلّها، لأن الولايات المتحدة تسرق سنوياً "منذ ربع قرن مليارات الدولارات من النفط العراقي والثروات العراقية".

ويذهب الزيدي أبعد من ذلك ليعتبر أن التهديد بفتنة شيعية - شيعية ليس بالأمر المستبعد على خلفية خطة حصر السلاح، لكنه يعتبر أن وجود المرجعية الدينية العليا في العراق تشكل إحدى الضمانات لعدم تقديم خدمة لأعداء الشعب العراقي من هذا النوع، مضيفاً في حديثه لـ"أثر" بأن سلاح المقاومة العراقية ليس محلاً للتنازل بأي شكل في ظل التحالفات العسكرية والأمنية التي تشهدها المنطقة بين "إسرائيل" وبعض الأنظمة المطبّعة معها، مشدداً على أن كتائب سيد الشهداء موقعها الطبيعي هو ضمن المحور المناهض لهذه التحالفات التي لا تضمر للعراق إلى السوء، وهذا مبني على كل التجارب السابقة منذ الاحتلال الأميركي المستمر.

ويختم الزيدي: في اليوم التالي لمهلة 30 أيلول 2026، سيُفتح مسار حوار داخلي عراقي لإجراء التوازن ما بين تنظيم السلاح واسترداد السيادة، أما قضية تسليم السلاح فهي ليست واردة.

العراق 2030: أربعة مستقبلات تنتظر قرار السلاح

العراق 2030: أربعة مستقبلات تنتظر قرار السلاح

بعد كل ما تقدم، يمكن الجزم بأنه في الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026، لن يستيقظ العراق على دولة جديدة.

لن تختفي الفصائل عند منتصف الليل، ولن تتحول آلاف الصواريخ والمسيّرات والمخازن والمقاتلين، بقرار إداري، إلى منظومة عسكرية واحدة.

لكن ذلك التاريخ قد يكون بداية شيء آخر: بداية تحديد أي عراق يتشكل بعد السلاح.

فالحكومة تعتبر انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول لحظة يفترض أن تسقط بعدها واحدة من أهم الحجج التي تستخدمها الفصائل للاحتفاظ بسلاح مستقل.[47]

أما الفصائل، وفقاً لحديث القيادي في "المقاومة الاسلامية في العراق"، فتقول العكس تقريباً: خروج قوات التحالف لا يعني اكتمال السيادة، والسلاح لن يصبح بلا وظيفة ما دامت السماء والحدود والقرار السياسي والمالي عرضة للتدخل الخارجي.[48]

وبين الموقفين تجري مفاوضات لم تحسِم، حتى منتصف أيلول/سبتمبر، سؤالاً يبدو بسيطاً: ماذا سيحدث للسلاح في اليوم التالي؟

هل يُسلّم؟

هل يُخزّن؟

هل يُجمّد؟

هل تنتقل السيطرة على استخدامه فقط إلى الدولة؟

أم يبقى في مكانه وتُؤجل المشكلة إلى أزمة أخرى؟

مصادر عراقية تحدثت بالفعل عن مقترحات لا تقوم على التسليم الكامل، بل على تنظيم السلاح أو تجميد استخدامه، فيما تبحث المفاوضات في الجهة التي ستستلمه والضمانات التي سترافق العملية.[49]

وهذه التفاصيل تجعل مستقبل العراق مفتوحاً على أربعة مسارات رئيسية.


السيناريو الأول

الانتقال السيادي: عندما ترث الدولة القوة

هذا هو السيناريو الأفضل، لكنه ليس الأسهل.

تبدأ العملية باتفاق سياسي لا يقوم على معادلة «سلّموا السلاح ثم نتحدث»، بل على جدول متزامن:

  • تسليم القدرات الثقيلة والاستراتيجية يقابله إدخالها في منظومة الدفاع العراقية.

  • تفكيك غرف العمليات المستقلة يقابله إنشاء قيادة عملياتية وطنية قادرة على استخدامها.

  • المقاتلون المؤهلون يدخلون مؤسسات الدولة وفق معايير مهنية.

  • الجرحى وعائلات الشهداء يحصلون على ضمانات قانونية ثابتة.

  • ومن لا تستوعبه المؤسسة العسكرية يدخل مسارات تقاعد أو إعادة تأهيل وعمل مدني.

وفي المقابل، تبدأ بغداد ببناء ما افتقدته خلال السنوات السابقة:

  • دفاع جوي أكثر فاعلية.

  • قدرات استطلاع وإنذار مبكر.

  • سيطرة أكبر على الحدود والمنافذ.

  • وقدرة حقيقية على منع استخدام الأرض والسماء العراقيتين في حروب الآخرين.

هنا لا تختفي القوة التي صنعتها الفصائل، بل يتغير مالكها، ويتحول المقاتل من عضو في تنظيم يمتلك قراراً مستقلاً إلى جزء من مؤسسة تمتلك الدولة قرارها.

هذا هو الفارق بين نزع السلاح ونقل القوة.

ماذا نراقب كي نعرف أن هذا السيناريو بدأ؟

ليست البيانات والمواقف السياسية، بل خمسة مؤشرات:

1- انتقال الأسلحة النوعية إلى مخازن ووحدات مسجلة رسمياً.

2- ظهور سلسلة قيادة فعلية، لا شكلية، تستطيع إصدار أوامر النقل والاستخدام والمنع.

3- استيعاب الخبرات الفنية في المسيّرات والصواريخ والاستطلاع داخل المؤسسات الرسمية.

4- تشريع الحقوق الاجتماعية والخدمية للمقاتلين والجرحى وعائلات الشهداء.

5- تقدم ملموس في الدفاع الجوي وحماية الحدود.

إذا حدث ذلك، يصبح السؤال بعد سنوات:

كم صاروخاً أخذت الدولة؟ أقل أهمية من: كم قدرة أصبحت الدولة تستطيع استخدامها وحدها؟

العراق في 2030

إذا نجح هذا المسار، فقد يصل العراق إلى 2030 وهو أقل ازدواجية في قراره الأمني، لكن من دون أن يصبح أضعف عسكرياً.

عندها يكون حصر السلاح قد حقق غايته الحقيقية: مركز واحد للقرار، مع الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من القوة.

وهذا هو السيناريو الوحيد الذي يستطيع فيه الطرفان الادعاء بأنهما انتصرا: الدولة استعادت قرارها، والفصائل تستطيع القول إن القوة التي بنتها لم تُهدر، بل أصبحت جزءاً من قوة العراق.


السيناريو الثاني

الحصر الشكلي: عندما يتغير الاسم ويبقى السلاح

هذا السيناريو أقل طموحاً، وأكثر سهولة.

تعلن فصائل حل نفسها أو اندماجها، تتغير أسماء الألوية، تُنقل بعض المخازن إلى هيئة الحشد الشعبي أو مؤسسة رسمية، تختفي بعض الرايات والمكاتب، ويعلن العراق أن السلاح أصبح تحت سلطة الدولة.

لكن تحت السطح تبقى الأسئلة القديمة:

من يعيّن القائد؟

لمن يدين بالولاء؟

من يعرف مكان جميع الأسلحة؟

ومن يستطيع إصدار أمر بإطلاق المسيّرة عندما تبدأ أزمة إقليمية؟

هذه ليست فرضية مجردة. فخبرة العراق السابقة تظهر أن الاندماج المؤسسي لا يؤدي تلقائياً إلى انتقال الولاء والقيادة. ويحذر تحليل Chatham House في 2026 من أن نقل المقاتلين إلى مؤسسات الدولة قد يبقي الشبكات والولاءات القديمة فاعلة، مستشهداً بتجارب عراقية سابقة في دمج قوى مسلحة داخل مؤسسات الحكم.[50]

وفي هذا السيناريو يصبح العراق أمام مفارقة: الدولة تحتكر السلاح على الورق، بينما يبقى قرار جزء منه موزعاً في الواقع.

مؤشرات هذا السيناريو

نعرف أن العراق يتجه إلى هذا المسار إذا رأينا:

1- اندماجات جماعية من دون إعادة هيكلة للوحدات.

2- بقاء القادة أنفسهم والتسلسل التنظيمي نفسه.

3- تسجيل الأسلحة من دون سيطرة فعلية على تحريكها واستخدامها.

4- استمرار المكاتب الاقتصادية والسياسية المرتبطة بالتشكيلات.

5- بقاء قنوات القيادة والاتصال الخارجية بعد إعلان الاندماج.

العراق في 2030 وفق هذا السيناريو

لن تكون هناك، بالضرورة، «فصائل» بالأسماء التي نعرفها اليوم، لكن قد تكون هناك فصائل داخل الدولة. وهذا أخطر من مجرد تغيير المصطلحات، لأن الدولة ستكون قد حصلت على صورة الاحتكار من دون مضمونه.

وتتحول المشكلة من: سلاح خارج المؤسسة، إلى: قرار مستقل داخل المؤسسة.


السيناريو الثالث

نزع القدرة: دولة تحتكر سلاحاً أقل

هذا هو السيناريو الأكثر خطورة استراتيجياً.

وفيه تنجح الحكومة في الشيء الذي تستطيع قياسه بسهولة:

  • تُحل التشكيلات.

  • تُغلق المخازن.

  • تُسحب الصواريخ.

  • تتوقف المسيّرات.

  • وتنتهي العمليات المستقلة.

لكن الدولة لا تبني بديلاً يعوض الوظائف التي اختفت.

  • لا دفاع جوي كافياً.

  • لا قدرة ردع غير متكافئة.

  • لا شبكة استطلاع بديلة.

  • لا معالجة كاملة للمقاتلين.

  • ولا استقلالاً أكبر في القرار السياسي والمالي.

عندها يستطيع العراق أن يقول: السلاح أصبح بيد الدولة، لكن الدولة نفسها تصبح أقل قدرة على الرد.

وهنا تتحول عملية الحصر من نقل للقوة إلى نزع للقدرة.

النخيب مرة أخرى

هذا السيناريو هو الذي يجعل قضية النخيب مركزية في التحقيق.

لنتخيل عراق 2030 بلا فصائل مسلحة مستقلة، ثم يظهر موقع أجنبي مشابه داخل الصحراء العراقية.

من سيكتشفه؟

من سيمنع الطائرات من الوصول إليه؟

ومن سيقرر استخدام القوة لإزالته؟

إذا استطاعت الدولة الإجابة، نجح الانتقال.

أما إذا احتكرت السلاح لكنها بقيت عاجزة أمام الانتهاك نفسه، فإن المشكلة القديمة لم تُحل.

لقد اختفى أحد أطرافها فقط.

مؤشرات هذا السيناريو

1- أسرع عملية تفكيك من عملية بناء البديل.

2- تدمير القدرات النوعية بدلاً من دمجها.

3- تسريح أعداد كبيرة من المقاتلين قبل تسوية أوضاعهم.

4- بقاء الاعتماد العراقي على الخارج في مراقبة أجوائه وحمايتها.

5- استمرار قدرة القوى الخارجية على التأثير في القرار العراقي بعد انتهاء استقلال السلاح الفصائلي.

عندها يكون العراق قد حقق: احتكاراً أكبر للسلاح، ولكن سيادةً ليست أكبر.


السيناريو الرابع

كسر العظم: عندما يرفض السلاح أن ينتقل

هناك احتمال آخر:

  • أن تفشل المفاوضات.

  • ترفض بعض الفصائل المهلة.

  • تحاول الحكومة فرض القرار بالقوة.

  • تحدث اعتقالات أو مصادرات.

  • يرد فصيل.

  • ثم يقع الخطأ الذي لا يستطيع أحد التراجع عنه.

عندها يمكن أن يتحول الخلاف من مفاوضات حول الدولة إلى مواجهة داخل البيئة الشيعية نفسها.

ليست هذه النتيجة الأكثر ترجيحاً، لأن كلفتها هائلة على الجميع.

  • الحكومة ستخاطر بمواجهة قوى تمتلك مقاتلين وسلاحاً ونفوذاً سياسياً.

  • والفصائل ستخاطر بخسارة جزء من شرعيتها إذا قاتلت قوات الدولة.

  • والإطار التنسيقي سيواجه خطر الانقسام.

  • وإيران لا مصلحة لها بسهولة في انهيار البيئة السياسية التي بنت داخلها نفوذها.

ولهذا يجري التفاوض اليوم عبر لجان سياسية، وتبحث الأطراف حلولاً مثل التنظيم والتجميد والتسليم المرحلي، بدلاً من الانتقال مباشرة إلى المواجهة.[51]

لكن انخفاض الاحتمال لا يعني انخفاض الخطر.

مؤشرات هذا السيناريو

1- انسحاب الفصائل من لجان التفاوض.

2- انتقال الخطاب من «التنظيم» إلى التخوين.

3- عمليات اعتقال متبادلة أو اقتحام مقرات.

4- انتشار مسلح داخل بغداد أو مدن الجنوب.

5- انقسام واضح داخل الحشد حول تنفيذ أوامر القائد العام.

6- استخدام القوة ضد مؤسسة رسمية لمنع تنفيذ قرار الحصر.

إذا اجتمعت هذه المؤشرات، فلن يعود السؤال: من يملك السلاح؟ بل: من يملك الدولة؟


لكن ماذا لو لم يحدث شيء؟

هناك احتمال خامس ظاهرياً، لكنه في الحقيقة ليس سيناريو مستقلاً: أن يبقى الوضع كما هو.

  • لا تسليم.

  • لا حرب.

  • لا انتقال.

  • وتستمر الدولة والفصائل في التعايش كما فعلتا لسنوات.

قد يبدو هذا الحل الأقل كلفة.

لكن الأحداث الإقليمية تجعل استمراره أصعب.

وفي أيلول/سبتمبر 2026 وحده، أكدت الحكومة العراقية أن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت السعودية انطلقت من الأراضي العراقية، وأقالت قائداً عسكرياً مسؤولاً عن المنطقة التي خرجت منها الهجمات، وبدأت عملية أمنية لملاحقة المسؤولين.[52]

هذه الواقعة تعيد إنتاج المعضلة نفسها التي رأيناها في 2024: عمل عسكري ينطلق من العراق، بينما تتحمل الدولة العراقية مسؤولية منع تحوله إلى أزمة أو حرب مع دولة أخرى.

لذلك فإن «عدم اتخاذ قرار» هو في ذاته قرار، ومع كل حرب إقليمية جديدة، ترتفع كلفته.


أي السيناريوهات أقرب؟

حتى منتصف أيلول/سبتمبر 2026، لا تشير المعطيات إلى أن العراق يتجه بسرعة نحو السيناريو الأول.

ولا تشير أيضاً إلى أن مواجهة واسعة أصبحت حتمية.

هناك فصائل أبدت استعداداً للاندماج، بينها قوى كبيرة مثل سرايا السلام وعصائب أهل الحق، بينما ما تزال فصائل مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، أكثر رفضاً.[53]

وفي الوقت نفسه، انتقلت المفاوضات نفسها من لغة «النزع» إلى مناقشة التنظيم والتجميد والضمانات والجهة التي ستستلم السلاح.[54]

هذه مؤشرات لا تشبه عملية نزع سلاح شاملة، إنها تشبه أكثر: إعادة تركيب لمنظومة القوة.

ولهذا يرجح تحقيق «أثر»، وفق المعطيات المتاحة حتى أيلول/سبتمبر 2026، أن المسار الأقرب خلال 2026–2028 سيكون انتقالاً تفاوضياً غير مكتمل يجمع عناصر من السيناريو الأول والثاني:

  • بعض الفصائل ستندمج فعلياً.

  • بعضها سيغير بنيته أو اسمه.

  • جزء من السلاح سيصبح تحت إشراف رسمي أكبر.

  • قد يُجمّد جزء آخر.

  • لكن بعض شبكات القيادة والولاء والقدرات الاستراتيجية قد تبقى خارج السيطرة الحكومية الكاملة لفترة أطول.

ليس هذا حلاً نهائياً، إنه مرحلة انتقالية. والسؤال هو إلى أين ستقود؟

  • إذا استخدمتها بغداد لبناء قدراتها واستيعاب القوة تدريجياً، فقد تتحول نحو الانتقال السيادي.

  • أما إذا اكتفت بتغيير الأسماء والهياكل، فسوف تستقر في الحصر الشكلي.

  • وإذا أدى الضغط الخارجي إلى تفكيك القوة أسرع من قدرة الدولة على وراثتها، فسوف ينزلق العراق نحو نزع القدرة.

  • وإذا حاول أحد الطرفين حسم التناقض بالقوة، نصل إلى السيناريو الرابع.


الاختبار يبدأ الآن

لهذا يمكن مراقبة مستقبل العراق من الآن، لا في 2030.

في كل مرة يسلّم فصيل سلاحاً، اسأل: أين ذهب؟

وفي كل مرة تُحل وحدة، اسأل: أين ذهب مقاتلوها؟

وفي كل مرة تتوقف مسيّرة فصائلية عن الطيران، اسأل: هل امتلكت الدولة القدرة التي كانت تؤديها؟

وفي كل مرة تُنتهك السماء العراقية، اسأل: من اكتشف؟ ومن قرر؟ ومن رد؟

وفي كل أزمة بين بغداد وواشنطن أو طهران، اسأل: هل أصبح القرار العراقي أكثر استقلالاً بعد انتقال السلاح؟

هذه الأسئلة هي مؤشرات التحقيق للسنوات الأربع المقبلة، وعندها فقط نستطيع أن نعرف أي عراق خرج من عملية الحصر.


هوامش الفصل السادس

[47] قال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة اللواء صباح النعمان في 10 أيلول/سبتمبر 2026 إن الحكومة تتوقع تسارع عملية حصر السلاح بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول، معتبراً أن المبررات المرتبطة بوجود التحالف ستزول بعد ذلك التاريخ.

[48] تربط عدة فصائل مستقبل سلاحها بما تسميه «السيادة الكاملة»، وترفض اعتبار انتهاء مهمة التحالف وحده كافياً؛ ومن أبرزها كتائب سيد الشهداء وحركة النجباء وكتائب حزب الله.

[49] أفادت مصادر قريبة من المفاوضات بأن البدائل المطروحة تشمل تنظيم السلاح أو تجميد استخدامه، فيما تناولت الاجتماعات الجهة التي ستتسلم الأسلحة ومصيرها والضمانات المقدمة للفصائل.

[50] Renad Mansour، Chatham House، 9 حزيران/يونيو 2026، يحذر من «وهم الاندماج»: إدخال المقاتلين إلى مؤسسات الدولة لا يعني تلقائياً انتقال الولاء أو القيادة إليها، ويشير إلى استمرار الشبكات غير الرسمية في ممارسة النفوذ داخل النظام العراقي.

[51] شكل الإطار التنسيقي لجنة تضم محمد شياع السوداني ونوري المالكي وهادي العامري للتفاوض مع الفصائل، فيما تدور المحادثات حول تجنب التصعيد وإيجاد صيغة للحصر أو التنظيم.

[52] في 11 أيلول/سبتمبر 2026، أعلنت الحكومة العراقية إقالة قائد عسكري بعد أن خلص التحقيق إلى أن هجمات بمسيّرات على السعودية انطلقت من الأراضي العراقية. كما اتخذت بغداد إجراءات أمنية إضافية للتحقيق ومنع تكرار الهجمات.

[53] يرى Chatham House أن المواقف داخل البيئة المسلحة ليست موحدة: أبدى مقتدى الصدر وقيس الخزعلي إشارات باتجاه الاندماج، بينما بقيت كتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء أكثر رفضاً للانتقال إلى السيطرة الحكومية الكاملة.

[54] حتى منتصف أيلول/سبتمبر 2026 لم يكن هناك اتفاق نهائي على آلية الحصر، فيما أشارت التقارير إلى خيارات تشمل التسليم أو التنظيم أو تجميد الترسانات، وإلى مطالبة الفصائل بأن يكون أي قانون شاملاً لكل الأسلحة خارج مؤسسات الدولة في أنحاء العراق.

نتيجة التحقيق

نتيجة التحقيق

بعد اثني عشر عاماً من سقوط الموصل، يصعب الدفاع عن استمرار الوضع كما هو.

لا تستطيع دولة أن تملك حكومة واحدة وقرارات متعددة للحرب.

ولا يمكن أن يبقى قرار إطلاق صاروخ قد يستدعي حرباً على ثلاثين أو أربعين مليون عراقي بيد تنظيم لا يخضع في قراره النهائي للمؤسسات الدستورية.

إذن: تنظيم السلاح ضرورة لبناء الدولة العراقية.

لكن التحقيق في السنوات الاثنتي عشرة الماضية يقود إلى نتيجة ثانية لا تقل أهمية: السلاح لم يظهر في فراغ.

ظهر لأن الدولة عجزت في 2014.

واستمر لأن بعض الوظائف التي أداها لم تنتقل إليها بالكامل بعد انتهاء «داعش».

ثم تحول بعد 2020 إلى أداة ضغط غير متكافئة على الولايات المتحدة.

وبعد 2023 أصبح جزءاً من شبكة إقليمية تستطيع الوصول إلى "إسرائيل"، لكنها تستطيع أيضاً جر العراق إلى ردود وحروب لم تقررها حكومته.

وفي 2026، أعادت قضية النخيب السؤال إلى نقطة البداية: هل الدولة التي تريد وحدها حق استخدام القوة قادرة وحدها على حماية الأرض التي ستستخدم هذه القوة من أجلها؟

لذلك لا تصوّت «أثر» لمصلحة بقاء السلاح كما هو.

ولا تصوّت لمصلحة نزعه كما هو.

الاختيار الذي تقود إليه الوقائع هو:

نقل القوة... لا نزعها.

برنامج انتقالي ملزم ومتزامن ينقل السلاح والخبرة والمقاتل والوظيفة والقرار إلى الدولة، بينما تبني الدولة في المقابل القدرة التي تجعل وجود الفصيل المسلح غير ضروري.

وعليه، لا ينبغي أن يكون معيار نجاح العملية: كم صاروخاً خرج من مخازن الفصائل؟ بل: كم قوة دخلت إلى الدولة؟

ولا يكفي أن يصبح مفتاح إطلاق الصاروخ في بغداد، يجب أن يصبح قرار استخدامه عراقياً أيضاً.

فإذا انتهت الفصائل وبقيت الأرض مفتوحة والسماء مخترقة والقرار السياسي معرضاً للفيتو الخارجي، يكون العراق قد حصل على دولة أكثر احتكاراً للسلاح، لكنه لم يحصل بالضرورة على دولة أكثر سيادة.

أما إذا استطاعت بغداد أن ترث القوة، وتحمي المقاتل وعائلته، وتضبط الحدود، وتحمي السماء، وتمنع الآخرين من استخدام العراق في حروبهم، وتقرر بنفسها متى تستخدم القوة ومتى تمتنع عنها، فعندها فقط يمكن القول إن تجربة بدأت في حزيران/يونيو 2014 قد انتهت؛ ليس لأن العراق أصبح: دولة بلا فصائل مسلحة، بل لأنه أصبح:

دولة لم تعد بحاجة إلى فصائل مسلحة.